فالح الحمـــراني
في سياق تأملات يصفها بالفلسفية على هامش الهجوم الأمريكي على فنزويلا وتهديد كوبا والدنمارك ودول أخرى بمثله، يصل المفكر، عالم التاريخ السياسي الروسي ألكسندر دمغتين، عبر تحليل شامل لتطور العلاقات الدولية منذ النظام الذي نص عليه صلح وستفاليا عام 1648 وعبر معاهدة فرساي 1919 وصولا إلى الاتفاقات التي تمخضت عن نتائج الحرب العالمية الثانية 1945 وحتى الاصطفاف الدولي الحالي، إلى خلاصة مقلقة للغاية مفادها أن التناقضات العالمية والصراعات العميقة في التفسيرات لن تحل سلميا عبر التاريخ (إذ لم تحل قط في الماضي تقريبا). بالتالي، يصبح اندلاع حرب عالمية ثالثة أمرا مرجحا جدا، بل وأكثر ترجيحا في عام 2026 منه في عام 2025 أو قبله. ويستدرك: هذا لا يعني أننا محكومون بها، بل يعني فقط أننا نمر بوضع بالغ الصعوبة.
ويرى دوغين، في تحليل موسع على هامش الأحداث المتعلقة بفنزويلا، أن الحرب العالمية بطبيعتها ستشمل الجميع أو معظمهم، وهذا ما يمنحها صفتها العالمية. ولكن في كل حرب عالمية، ثمة جهات فاعلة رئيسة. واليوم، تتمثل هذه الجهات في الغرب بصورتيه (الليبرالية العالمية والهيمنة)، والأقطاب الصاعدة للعالم متعدد الأقطاب: روسيا والصين والهند. أما بقية الدول، فهي مجرد أدوات...
بعد النظر في المقاربات التي تطرح رؤيتها لملامح النظام الدولي المقبول، يرصد الكاتب أن الغرب يطرح رؤيته كنظام أيديولوجي، في حين يفتقر العالم متعدد الأقطاب الذي يطرح نفسه بديل له، إلى مثل هذه الأيديولوجية. ويضيف: "لقد تجلت مقاربة تعدد الأقطاب إلى حد كبير، لكنها لا تزال عمليًا غير مكتملة أيديولوجيًا».
وعلى وفق رؤية دوغين أن انهيار القانون الدولي فعليًا، وهزيمة الدفاع عن معاهدة يالطا للسلام، وتحول الأمم المتحدة إلى هيكل قديم استنفد نفسه، بالإضافة إلى استعادة النظام الثنائي القطب، كلها عوامل تستدعي المجتمع لطرح نظام جديد للقانون الدولي. وضمن هذا السياق، يشير إلى أن الصين تبذل بعض الجهود في هذا الاتجاه (عبر مجتمع المصير المشترك)، وروسيا بدرجة أقل (باستثناء نظرية العالم متعدد الأقطاب والنظرية السياسية الرابعة). ومن الواضح أن هذا غير كافٍ. ولا يستبعد الكاتب أن يخوض المجتمع الدولي هذا العام صراعًا عالميًا شاملاً، سيُحدّد خلاله المستقبل، والنظام العالمي، ونظام القانون الدولي، لعدم وجود أيٍّ منها حاليًا.
يستند دوغين في استنتاجاته إلى جملة من التداعيات التي شهدتها الساحة الدولية خلال العقود الأخيرة، ومن أبرزها عدم تحقق الانتقال الكامل من نموذج القانون الدولي ثنائي القطب إلى أحادي القطب، على الرغم من اختفاء أحد قطبي القوة/الأيديولوجيا. ويُرجع أسباب إخفاق هذا الانتقال إلى الصعود المتزامن للصين وروسيا في عهد بوتين، الأمر الذي أظهر بوضوح ملامح بنية عالمية مختلفة تمامًا متمثلة بالتعددية القطبية أول مرة في التاريخ الحديث. الإضافة إلى ذلك، تظهر في الموازاة منها قوة جديدة يمثلها أنصار العولمة (من اليسار: الليبراليون الدوليون المتشددون، ومن اليمين: المحافظون الجدد).
ورغم أن هذه القوة الممثلة بالتعددية القطبية لم تكن محددة أيديولوجيًا بوضوح، إلا أنها رفضت النمط الأيديولوجي للغرب الليبرالي العالمي. وبدأت هذه القوة، التي كانت غامضة في البداية، بالدفاع عن الأمم المتحدة ومعارضة التكوين النهائي للأحادية القطبية، أي محاولة تحويل الوضع الراهن للقوة والأيديولوجيا (الهيمنة الفعلية للغرب) إلى نظام قانوني مماثل.
وهكذا وجدت البشرية نفسها في حالة من الفوضى. فقد اتضح أن خمسة أنظمة للعلاقات الدولية تعمل الآن بالتوازي في العالم، وهي متباينة تمامًا بصفة برامج من شركات مختلفة. وبسبب الجمود، لا يزال كل من الأمم المتحدة والقانون الدولي يعترفان بسيادة الدول القومية، وهي سيادة فقدت فعاليتها منذ قرابة مئة عام، ولم يبقَ منها سوى وهم مؤلم. ومع ذلك، تُظل السيادة معترفًا بها وتُستخدم أحيانًا ذريعة في السياسة الدولية. كما يرى دوغين.
وبالمثل، والقول له، وبسبب الجمود، تحتفظ بعض المؤسسات ببقايا من النظام ثنائي القطبية الذي انتهى عهده. هذا الأمر لا ينتج عنه تأثيرات واضحة دائمًا، لكنه يظهر من حين لآخر، كما في قضية التكافؤ النووي بين روسيا والولايات المتحدة.
ويواصل دوغين القول إن الغرب، بصفة كيان موحّد، يصر على الترويج للعولمة ونموذج حكومة عالمية. وهذا يتطلب من الدول القومية التنازل عن سيادتها لمصلحة مؤسسات فوق وطنية مثل المحكمة الدولية لحقوق الإنسان أو محكمة لاهاي. ويسعى الاتحاد الأوروبي ليكون قدوة للعالم في طمس الهويات الجماعية والتخلي عن مفهوم الدولة القومية. أما الولايات المتحدة، خاصة في عهد إدارة ترامب وتحت تأثير المحافظين الجدد، فتتصرف بصفة قوة مهيمنة وحيدة، وتعد كلما يخدم مصالح أمريكا هو الصواب. هذا التوجه، الذي يحمل رسالة تعارض العولمة جزئيًا وتتجاهل أوروبا والتوجهات الدولية، يصرّ في الوقت ذاته على تجريد جميع الدول من سيادتها، وببساطة عبر استخدام القوة.
أخيرًا، تتضح معالم عالم متعدد الأقطاب بشكل متزايد، حيث تؤلف الدول ذات السيادة كيانات حضارية، مثل الصين أو روسيا أو الهند المعاصرة. وهذا يستلزم نظامًا مختلفًا للقانون الدولي. قد تكون مجموعة "بريكس" أو منصات التكامل الإقليمي الأخرى نموذجًا أوليًا لهذا التوجه، مع استثناء الغرب (الذي يقدم نماذجه الخاصة الأكثر تفصيلاً وصرامة).
ويرى أن هذه الأنظمة الخمسة بالتوازي، تعمل وتتداخل بطبيعتها، مما ينتج عنه اضطرابات وصراعات وتناقضات مستمرة. يحدث خلل طبيعي في شبكة القواعد، يوحي بالفوضى أو بغياب القانون الدولي فعليًا. فإذا كانت هناك خمس أنظمة قانون دولي متضاربة تعمل في آن واحد، فهذا يعني أنه لا يوجد قانون دولي بالمعنى الجوهري.
وبالنسبة لروسيا فقد تضطر هذا العام للمشاركة في صراع عالمي شامل سيحدد مستقبل النظام العالمي ونظام القانون الدولي المقابل له. وفي الوقت الحالي، لا شيء من ذلك قائم. ومع ذلك، لا بد من وجود قانون دولي يسمح لموسكو بأن نكون ما نفترض أن تكونه - دولة حضارية، وعالم روسي. وعليها أن تدرك هذه الحقيقة في أسرع وقت ممكن.










