طالب عبد العزيز
إذا كان المفكرون المحتجون على الواقع العراقي يقولون بأنَّ غالبية الشعب العراقي تعيش في الماضي، وهي مقولة نتداولها في الحيث والتعبير عن أزمتنا في السياسة والدين والاجتماع فأنَّ الغالبية هذه تعيش بالفعل خارج أزمنتها، فهي ما زالت تتعامل مع الموروث لا بوصفه حدث في تاريخ ما، إنما تريد استعادته والعيش فيه، مع استحالة ذلك، لكنَّ التفاعل مع الوقائع التاريخية والانتماء لها حدَّ الرغبة في رؤيتها يبلغ حدوده القصوى عند بعضهم، وما نشاهده في استعراضات هؤلاء بالمناسبات الشعبية والدينية التي غالباً ما تتداخل مع أحداث السياسة والوجود داخل الحلقات الاجتماعية (قبيلة-حزب- محلة – مدينة..)ينفي امكانيتنا في اقناعهم بأهمية وجودهم بيننا اليوم وبطلان وجودهم في التاريخي ذاك.
لا نزيد في قولنا بأنَّ النسق الديني الشعبي مستودعٌ لكثير من عيوب المجتمع، وحاضنة لما يعاني منه، وأنّّ الفهم المتواضع للدين عند العامة لا يذهب الى قراءة المتون الأولى(قرآن،سنّة، سير)والوقوف عليها-وهي بكل تأكيد نقيّة من كثير علِقَ بها- لكننا، نجزم بأنهم كانوا وما زالوا اسارى الفهم ذاك، وهنا مقتل العقل والجسد معاً. أصغي -بانتباهة من تعلّق قلبه بالمساجد ذات يوم- الى ما يتلوه خطيب يوم الجمعة، قبل الصلاة في المسجد القريب، فأسمع منه دعاءً ابتدأ جميلاً، فقد قرأ من قصار السور، وذكر النبي، وامتدح الدين، لكنه لم يتوقف عند هذه وتلك، إنما ذهب الى المفاضلة بين أهل البيت وأندادهم، دون ذكرهم بالاسماء، بكل تأكيد، لكنَّ الامر هذا أخذ ثلاثة ارباع خطبته، فهو يجعل كلَّ فعل خير وعظيم واستثنائي خصيصة الامام علي وآل البيت، وقطعاً، لهم الثناء والتعظيم كله، لكنْ من غير المعقول اغفال الاخرين من الصحابة الى الحدِّ هذا ايضاً، ففي الكتاب والحديث ما يشير اليهم، بوصفهم الصُّحبة الأولى والمصدقين، والذين بايعوا تحت الشجرة، وقد قتل كثير منهم في الغزوات. . وبعد؛ فهم السلف الصالح في كتب الأحاديث.
يمكننا الحديث عن مشهد الخيّالة وأصحاب الابل الذي أرادوا دخول بغداد؛ بمناسبة وفاة الامام الكاظم، ضمن الفهم الشعبي لإحياء المناسبات الدينية، ذلك لأننا نبحث عن تحديث ما، وعن آلية معاصرة، عن اختصار للزمن، وفهمٍ جديد للوقائع والتواريخ. يقطع كثير منا بإمكانية التحديث ذاك، وهناك الكثير من الخطباء الذين يستقبحون ركوب الخيل والابل في المناسبة هذه، فضلاً عن رأيِّ أهل الكاظمية بذلك، فهي صورة متخلفة في التعبير والتاسي، هذا إذا لم نقل بانها استعراض فجٌّ لحادثة كبيرة. ستكون مادة التاريخ بلا معنى إذا لم تكن القراءة ذات جدوى! وإذا لم تعقد المقارنات المنصفةُ بين الماضي والحاضر. نعم، مات الامام الكاظم في سجنه مظلوماً، بسبب قضية كبيرة، فقد كان محتجّاً على ممارسة الخليفة الإجرامية، ولم تثأر له سوى أعيننا بالدموع وصدورنا باللطم..لكن، ماذا عن ممارسات خلفائنا الشائنة اليوم؟ وماذا عن حياتنا المرتهنة بين سيّاف ولص، ولماذا لا تكون حادثة مقتل 800 عراقي في تشرين سبباً للتظاهر والمناداة بحقهم والقصاص من قتلتهم وهم أحياء بيننا؟
يعلم الله وحده بالزمن الذي سنبقى فيه أسارى عيشنا في التاريخ، لكننا نعلم علم اليقين بما سنجنيه من الويلات والحروب جراء بقائنا هناك. أرعبتُ وخفق قلبي هلعاً وخوفاً حين شاهدتُ الجسر يهتزُّ تحت أقدام الذين خرجوا في التشييع الرمزي لجنازة الامام الكاظم في الناصرية. كانت الحشود كثيرة، والجسرُ أوهن من أنْ يحملهم. لا يمكننا الفصل بين جسر بغداد الذي ألقيت عليه جنازة الكاظم بحسب الرواية والجسر الذي احتشد المعزون عليه في الناصرية، لأن قراءة هؤلاء للتاريخ مازالت واقفة في مكانها، تريد جسراً تموت عليه، لا جسراً تعبره الى الحياة.









