TOP

جريدة المدى > عام > رواية (كولخوز) الفائزة بجائزة ميديسيس لعام 2025: ملحمة عائلية آسرة، وتكريم رائع لوالدة الكاتب

رواية (كولخوز) الفائزة بجائزة ميديسيس لعام 2025: ملحمة عائلية آسرة، وتكريم رائع لوالدة الكاتب

نشر في: 18 يناير, 2026: 12:03 ص

ترجمة: عدوية الهلالي
«أنا سعيد للغاية لأنها جائزة تحمل معنى خاصًا بالنسبة لي"، هكذا علّق الروائي إيمانويل كارير بعد منحه جائزة ميديسيس لعام 2025 عن روايته "كولخوز" أي "المزرعة الجماعية السوفيتية)، وهي ملحمة عائلية ضخمة تقع في ٥٦٠ صفحة.
وقد وصل إيمانويل كارير، البالغ من العمر 67 عامًا، إلى القائمة النهائية لجائزة غونكور عن هذه الرواية، وهي ملحمة عائلية ضخمة تقع في 560 صفحة. يروي فيها الكاتب قصص أربعة أجيال من العائلة نفسها، عائلة والدته، هيلين كارير دانكوس، التي عاشت حياة استثنائية. وهذه هي المرة الثانية التي يصل فيها إلى القائمة النهائية لجائزة غونكور. فرواية "كولخوز" لإيمانويل كارير، هي رواية عائلية آسرة، وتُعدّ تكريمًا مُفعمًا بالحيوية لوالدته.، ففي هذا الكتاب، يكشف الكاتب عن تاريخ عائلته الرومانسيّ بامتياز، مُقدّمًا في صميم سرده صورةً صادقةً ومُفعمةً بالمحبة لوالدته، الأكاديمية هيلين كارير دانكوس، التي رحلت عام ٢٠٢٣.
وكانت رواية (كولخوز) إحدى أبرز الروايات التي هيمنت على الموسم الأدبي الخريفي لعام 2025،فبعد ثمانية عشر عامًا من روايته "رواية روسية"، يعود إيمانويل كارير إلى تاريخ عائلته المذهل من خلال رواية "كولخوز"، التي نُشرت في نهاية آب الفائت، والتي يُعيد فيها الكاتب صياغة سيرة عائلته، حيث تتشابك صفحاته مع حضور الأم الدائم، وأجداده الروس والجورجيين المرموقين، ولمحاتٍ من طفولةٍ سعيدة رغم الخلافات الأبوية واندلاع الحرب في أوكرانيا. والنتيجة عملٌ هادئ يكشف عن الجانب الأكثر إشراقًا في شخصية الكاتب.
ثمة رقةٌ بالغة في هذا الكتاب، الذي يبدأ كسردٍ للحزن. ربما لأن المصالحة بين الكاتب ووالدته، بعد سنواتٍ من الصراع، كانت قد تحققت منذ زمنٍ بعيد، ولم يكن الهدف هنا خلق مساحةٍ لتصفية الحسابات دون أي تبعاتٍ أخرى. يقول الكاتب: "مع تقدّمي في السن، لم يعد أصدقائي وأحبائي يُثيرون اهتمامي بقدر ما يُثيره والداي، وأبنائي، والطفل الذي كنتُه يومًا ما." كما يسعى إيمانويل كارير إلى "توضيح" كيف أنه ابن أمه حقًا، وإلى تأليف كتاب عن "بر الوالدين"، كما قال صديقه هيرفيه ذات مرة: "إذا لم تغفل عن هذا البر، إذا كان بوصلتك، فسيكون هذا أفضل كتاب لك».
لكن بر الوالدين لا يعني التمجيد. فهذا من شأنه أن يقلل من شأن هوس الكاتب بالحقيقة، لا سيما في حقل ألغام شؤون الأسرة. وهنا تكمن أولى روائع إيمانويل كارير، حيث يرسم لوحة جدارية حميمة عظيمة، متأثرة بالاضطرابات الجيوسياسية العالمية، والتي لا يضعف إيقاعها أبدًا في ما يشبه حوارًا فكاهيًا في كثير من الأحيان، مع آلاف الحكايات التي قد تكون قاسية أحيانًا، لكن حقه في سرد التفاصيل لا يبدو متعارضًا مع إعجابه وحبه لعائلته.
وهكذا، تغمرنا الصفحات المئة الأولى من الكتاب في دوامة المنفى التي عاشتها عائلتا هيلين، من جهة الأم والأب، وهما فرعان روسيان وجورجيان من الأرستقراطيين والمثقفين الذين جرفتهم الثورات، ليجدوا أنفسهم عالقين في فرنسا في فقر مدقع، وصولاً إلى قضية جورج زورابيشفيلي، والد هيلين، الذي أُعدم بعد التحرير بتهمة التعاون مع العدو. ويتتبع الكاتب حياة هذا الرجل الكئيب، الذي يُرجح أنه كان يعاني من اضطراب ثنائي القطب (مثله)، والذي كشف عن انحرافه في روايته "رواية روسية"، التي كانت سببًا في خلاف حاد مع والدته. هنا ندرك بعض المفاتيح الأساسية لفهم نفسية الأكاديمية، التي أصبحت شابة بعد وفاة والدها المتعاون مع العدو، والذي كان عماد أسرتها. فهناك ميلٌ واضحٌ إلى السرية أو التلاعب المستمر بالأمور، مع بدايات نوع من التصلب الكامن وراء تلك الطفلة الصغيرة القوية.
ثم يركز السرد على الزوجين اللذين شكّلهما والداه، هيلين ولويس، فيتناول لقائهما، وحياتهما الأسرية، وصعود هيلين كارير دانكوس الاستثنائي لتصبح مؤرخة روسية مرموقة. من تلك الطفولة، يرسم المؤلف أرقّ لحظات الكتاب، التي قضاها خلال فصول الصيف في كازير بجنوب غرب فرنسا. يقول: "لو كان عليّ أن أحتفظ بصوت واحد من حياتي على الأرض، لكان صوت حفيف الحصى تحت قدمي والدي وهو يحملني، في إحدى ليالي الصيف، في موقف سيارات فندق دو شابون فين". هناك ذكريات ساحرة لا تُحصى للشاب إيمانويل، الذي كان شديد التعلق بوالدته لدرجة أنه كان يُلقّب بـ"هيلينو الصغيرة"، إذ كان يتقاسم معها "شعورًا بالأهمية"، وأكثر من ذلك بكثير. يقول الكاتب: "أحببت أمي في طفولتي كما لم أحب ولن أحب أحدًا في حياتي. تقبّلت روايتها لتاريخ عائلتنا، وبشكل أعم، لحياتنا، بصدقٍ وجرأة لا مثيل لهما". صحيحٌ أنها كانت أماً حنونة، حاضرة، وذات روح مرحة - فعندما كان والدهم يسافر إلى الأقاليم للعمل، كان الأطفال ينتقلون إلى غرفتها ليناموا معها ويلعبوا معًا - إلا أنها كانت أكثر من ذلك.
في هذا السياق، يستعيد المؤلف حسه الاستقصائي الحاد، ولا يتجاهل أيًا من جوانب والدته المظلمة. من صداقاتها في شبابها مع المثقفين الفاشيين سيئي السمعة روبرت براسيلاك وموريس بارديش، إلى تحليلاتها لروسيا بوتين، بما في ذلك قسوتها الأسطورية، كل شيء مكشوف. أمورٌ لا تزال تؤلمه. "ليست علاقتي بالعالم كما كانت علاقة موريس بارديش برومان غاري كصديق للعائلة. بعد نصف قرن، أدرك تمامًا أن الأمر لا يزال يؤثر عليّ بشدة.»لكن التحقيق لا يتوقف عند هذا الحد، إذ يكشف أيضًا جانبًا خفيًا من حياة والدته الخاصة، مستذكرًا شغفها الجارف لسنوات بدبلوماسي اضطرت للتخلي عنه أمام يأس زوجها. حلقة مروعة انقلبت فيها أجواء الوئام الأبوي الظاهري إلى حرب ضروس،حيث جعلت هيلين زوجها يدفع ثمن هذا التخلي حتى آخر أيامهما، متحملةً وجود لويس المسكين تحت سقف واحد، وإن كان ذلك كرجل منبوذ. من هذه القصة، يستخلص كارير دروسًا جديدة عن أسلوبه الخاص في الحب: "أنا وجه أمي وهي تنأى بنفسها إلى الأبد، أنا حزن أبي الذي لا يوصف».
ويظهر هذا الأب، الذي يُصوَّر على أنه أمير مفتون بنسب زوجته الأرستقراطي، بشكل متقطع في أرجاء الكتاب، فتتجلى رقته وروح الدعابة لديه، مجسدًا أروع شخصية داعمة في العائلة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

الروائي والصحفي يوثق الحيرة وأسئلة القمع والمنفى..موجات زهير الجزائري المرتدة

فاروق صبري: المسرح يعني الاحتجاج والتمرد وطرح التساؤلات الكبرى

الفنانة ساكار سليمان تعيد صياغة الجسد البشري

الرغبةُ حين تستيقظُ من الحِبر حكايةُ نصٍّ يكتبُ ذاته

وجهة نظر : لماذا نكتب ونستعرض؟

مقالات ذات صلة

رواية (كولخوز) الفائزة بجائزة ميديسيس لعام 2025: ملحمة عائلية آسرة، وتكريم رائع لوالدة الكاتب
عام

رواية (كولخوز) الفائزة بجائزة ميديسيس لعام 2025: ملحمة عائلية آسرة، وتكريم رائع لوالدة الكاتب

ترجمة: عدوية الهلالي «أنا سعيد للغاية لأنها جائزة تحمل معنى خاصًا بالنسبة لي"، هكذا علّق الروائي إيمانويل كارير بعد منحه جائزة ميديسيس لعام 2025 عن روايته "كولخوز" أي "المزرعة الجماعية السوفيتية)، وهي ملحمة عائلية...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram