TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناديل: عندما يعجزُ العقلانيُّ عن عقلنة آلامه

قناديل: عندما يعجزُ العقلانيُّ عن عقلنة آلامه

نشر في: 18 يناير, 2026: 12:04 ص

 لطفية الدليمي

مقالتي اليوم سردٌ لحكاية حقيقية حصلت في الأيّام القليلة الماضية مع صديق عزيز لي عرفتُهُ عبر الفيسبوك.
لم يكن صديقي كائناً هشّاً، ولا ممّن تهزمُهُم التفاصيلُ العابرة. كان، في نظر كلّ من يعرفه، مثالاً للعقلانية الصلبة: رجلٌ يواجه الحياة ببرودة الحِساب، ويُخضِعُ الوقائع لمنطق الضرورة لا لنزق العاطفة رغم أنّه أبعدُ ما يكون عن الجلافة والقسوة والفظاظة وكلّ مشتقّاتها الثانويّة. آمن دوماً أنّ الإنسان، متى ما امتلك القدرة على الفهم، امتلك القدرة على الإحتمال؛ لكنّ ما لم يكن يعلمُهُ، أو لعلّه تجاهله طويلاً، أنّ هناك لحظاتٍ يعجز فيها العقلُ نفسُهُ عن تفسير الألم، فيقف متفرّجاً عاجزاً يرقبُ انكسار الروح وانعطاب القلب.
في الأيام القليلة الماضية، أصيب صديقي بنوبة اكتئاب حاد، ثقيل الوطأة، أشبه بسقف منخفض أطبق فجأة على صدره. لم يكن الإكتئاب صاخباً أو هستيريّاً، بل صامتاً، بطيئًا، زاحفاً، من النوع الذي ينهِكُ صاحبَهُ دون أن يترك جروحاً ظاهرة، ويا ليته فَعَلَها. الغريبُ أنّ سبب هذا الإكتئاب لم يكن خيبة عاطفية، ولا هزيمة مهنية، بل حدثٌ يُفترَضُ فيه أنّه إيجابيٌّ في أحوال العراق السكنيّة الخانقة: ذلكم هو انتقالُهُ القريب إلى بيت جديد أفخم من سابقه المتهالك.
البيت الجديد، كما ذكرت، فخمُ البناء، أنيقُ التفاصيل، مشغولٌ بعناية على طريقة الحداثة المعماريّة السائدة، يشي بذائقة معاصرة تحبُّ الخطوط المستقيمة والواجهات النظيفة؛ لكنّه، رغم كلّ هذا، أصغرُ مساحةً من البيت القديم. هنا تبدأ الحكاية (أو المأساة) الحقيقية. البيت القديم لم يكن مجرّد بناء واسع، بل كان عالماً كاملاً عاش فيه صديقي مع أشقائه، وظلّوا معاً يتشاركون العيش بعد وفاة الوالدَيْن. كان بيتاً امتصّ سنوات العمر، واحتفظ بها في جدرانه كما تحتفظ الأرضُ بالماء.
حين كان صديقي يحدّثُني، لم يكن يتكلّمُ عن الجدران بل عن الخوف. خوفٌ غامض من أن تمرض روحُهُ حين تُنتزَعُ من مكانها الأوّل. كان يشعر أنّ الإنتقال ليس مجرّد تغيير عنوان بل اقتلاعٌ داخليٌّ؛ كأنّما ذاكرتُهُ ستبقى مُعلّقة هناك، عاجزة عن اللحاق بجسده في البيت الجديد. كان يسألني بصوت خافت: كيف يمكن لكلّ هذا التاريخ أن يُضغَطَ داخل بيتٍ سكني هو أقربُ إلى علبة كبريت رغم أنّ مساحة 150 متراً مربّعاً تعدُّ رفاهية كبرى بحسابات حيتان العقارات البغدادية؟ لماذا خسرنا منازلنا ذات ال 600 متراً مربّعاً والتي كانت الحديقة فيها ركناً مكيناً من روح البيت البغدادي؟
واظب صديقي على لعْن الزمن الذي أوصَلَنا إلى هذا الحال البائس. زمنٌ تحوّلت فيه البيوت من أوطان صغيرة إلى سلع، ومن مساحات عيش إلى أرقام في سوق لا يعرف الرّحْمة. صار البيوتات لصيقة مع بعضها لفرط حرصها على بناء كلّ سنتمتر في الأرض. حتى الأرصفة صارت عند البعض غرفة إضافيّة!!.
كان يلعنُ كذلك جشع الأولاد والأحفاد، لا بوصفهم امتداداتٍ بيولوجية طبيعيّة للآباء بل بوصفهم امتداداً لثقافة ترى في البيت إرثاً ماليّاً لا إرثاً روحيّاً. ثقافة تُجيد العَدّ، وعدّ النقود بخاصّة؛ لكنّها تفشل في امتحان الذاكرة.
في إحدى نوبات البوح، قال لي صديقي بسخرية موجِعة: (ما أغبانا!!. نبيع بيوتاً لنشتري علبة ثقاب). ما أقساها من إهانة رمزية هائلة. كيف لإنسان اعتادَ الإتّساع أن يقبل فجأة أن تُحشَرَ حياتُهُ داخل شيء يشبه العلبة؟ كيف يمكن للروح أن تنكمش فقط لأنّ السوق قرّر ذلك؟
كان غضبه موجّهاً أيضاً إلى ما سمّاه حيتان العقارات: تلك القوى الخفيّة التي أعادت تشكيل المدن العراقيّة، وبغداد في مقدّمتها؛ فحوّلتها إلى مربّعات خانقة، وجعلت الناس تتصارع على السنتيمتر المربّع الواحد. كان يرى أنّ الصراع لم يَعُدْ على الحياة الكريمة بل على الحدّ الأدنى من عطايا الطبيعة الكريمة: الهواء والضوء. كان يشعر في دواخله أنّ انتقالته هي استسلامٌ صامت لهذه القسوة.
لم يكن صديقي يرفض البيت الجديد لأنه سيّئ، بل لأنّه لا يشبه ذاكرته. لنقُلْ أنّه رآه كائناً طفيليّاً على روحه. كان يعرف أنّ الإكتئاب ليس بسبب الطابوق ولا الخرسانة. الطابوق هو هو، والخرسانة المسلّحة هي هي. إنّما السبب في القطيعة. القطيعة مع زمنٍ كان فيه المكان امتداداً للإنسان لا قفصاً أنيقاً له. كان يخشى أن يتحوّل هو نفسه إلى نسخة مصغّرة ممسوخة من ذاته.
ربما الزمنُ وحدُهُ قادرٌ على بَلْسَمَة هذا النوع من الأعطاب النفسيّة. الزمن، ذلك الطبيب البطيء الذي لا يَعِدُ بشفاء كامل، بل بتعوّد محتمل. ربما ستنجح روحه، بعد حين، في صناعة ذاكرة جديدة داخل الجدران الجديدة. ذاكرةٌ تكون أقل ازدحاماً، أقل صخباً؛ لكنّها قابلة للحياة. ربما لن تنجح روحه في اجتياز الخانق؛ فبعضُ الأرواح، ببساطة، خُلِقَتْ لتسكن الإتّساع، وإذا ضاقت بها الأمكنة ضاقت هي بالعالم كلّه.
هذه الحكاية، في جوهرها، ليست عن عقار يُسكَنُ. إنّها حكايةُ العقل: العقل الجبّار والمخادعُ في الوقت ذاته. حكايةُ إنسانٍ اكتشف متأخراً أنّ العقل، مهما بلغ من صلابة، يعجز أحياناً عن عقلنة ألمه، وأنّ الحنين، حين يتحوّل إلى حالة مَرَضيّة، لا يُشفى بالمنطق ولا بالأرقام، بل بواحدٍ من ترياقيْن: الزمن، أو التعايش الصامت مع خسارةٍ لا إسم لها.
كان صديقي، وهو يحدّثُني، يحومُ كثيراً حول فكرة واحدة: المكان ليس حياديّاً كما نتصوّر. المكان، في نظره، كائن صامتٌ لكنّه فعّال، يشاركُ بقسوة غير مرئيّة في تشكيلنا دون أن ننتبه. نحن لا نعيشُ في البيوت فقط؛ بل نُعيدُ تشكيل أنفسِنا داخلَها: نكبرُ معها، ونتركُ فيها أجزاء لا يمكنُ نقلُها مهما حزمنا الأثاث بعناية. كان يخشى أن يكتشف، بعد الإنتقال، أنّ شيئاً منه قد تخلّف هناك إلى الأبد.
كان صديقي يستعيدُ تفاصيل صغيرة، قد لا تعني شيئاً لغيره؛ لكنّها كانت بالنسبة له علاماتِ حياة: تشقّقٌ خفيف في الجدار يعرف سببه، بلاطةُ أرضيةٍ تصدرُ صوتاً مختلفاً عند الدّوْس عليها، نافذةٌ لا تُغلَقُ جيداً لكنّها تُدخِلُ ضوء الغروب الساحر. حتى (أبو بريص) كان يألفه ويراه جزءاً حيّاً من ذاكرة المكان. هذه التفاصيل، التي لا تظهر في عقود البيع ولا في إعلانات العقارات، هي ما يصنعُ الإحساس بالإنتماء. كان يشعرُ أنّ البيت الجديد، مهما بلغ من الكمال الهندسي، سيكون فقيراً وهو لا يحفلُ بهذه العيوب الحميمة. لم يكن يراها عيوباً بل إمتيازات عيش لذيذ.
كتب لي مرّة: (البيت القديم يعرفُني وأعرفه). لم يقلْها مجازاً أو في غفلة زمن. قالها كما تُقالُ حقيقةٌ بسيطة. كان موقناً أنّ بيته القديم يعرف خطواته حين يستيقظُ ليلاً، يعرف صمتَهُ حين يحزن، ويعرف ضحكته حين يكون مطمئنّاً. أمّا البيت الجديد فسيحتاجُ إلى وقت طويل ليتعلّم كلّ هذا، إنْ حصل وتعلّم. كان السؤال الذي يقلقُهُ: هل يملك هو ما يكفي من العمر والطاقة والرغبة ليعلّم مكاناً جديداً كلّ هذه الأسرار؟
لم يكن حنينُهُ بعضاً من ترف عاطفي في وسطٍ أدمن الخشونة والصلافة والمرابحة القاسية. كان مقاومة داخلية لفكرة الإستبدال السريع. كان يرى أنّ العالَمَ الحديث يتعاملُ مع الأمكنة بالطريقة نفسها التي يتعامل بها مع الأشياء: سلسلةُ لا تنتهي من استهلاك ثم استغناء. بيتٌ يُهدَمُ ليُبنى غيرُهُ، وذاكرة تُمحى لتُستبدل بكيفيّة أحدث. كان يشعُرُ أنّهُ يُطلَبُ منه أن يُبدي مرونة بأكثر ممّا تحتمل روحُهُ، وأن يتكيّف بسرعة لا تليق بثقل التجربة.
كنت أستمع إليه وأدركُ أنّ اكتئابه ليس ضعفاً إنسانيّاً بل فائضُ إحساس. ربّما سيأتي يوم، بعد شهور أو سنوات، يقفُ حينها في بيته الجديد ويشعرُ بشيء من الألفة معه. ربما ستنشأ ذكريات أخرى، أقلُّ كثافة؛ لكنّها حقيقية. وربما سيبقى البيت الجديد مكاناً صالحاً للعيش فقط، لا للحياة بمعناها الكامل. لا أحد يعرف؛ فالعلاقة بين الإنسان والمكان لا تخضعُ لقوانين ثابتة.
المثيرُ في الأمر أنّ البيت الجديد هو لِصْقُ البيت القديم. الحائط على الحائط. هلّا تفكّرْنا في هذه الواقعة. هل نتعلّمُ منها شيئاً؟ بضعةُ سنتمترات كفيلةٌ بإحداث كلّ هذا العطب في روح صديقي!!. يطيبُ لنا الحديثُ كثيراً عن العقلنة وعصر النهضة وشروطها، والعلم وقوانينه الحاكمة؛ لكن ننسى في حمّى الحديث أنّ الانسان قد يكون هشّاً إلى أبعد الحدود في مواقف بعينها، ولن تنجيه حينها إستعانتُهُ بعقلنته التي لطالما تغنّى بها وعَدّها جزءاً من إمتيازاته الحصريّة.
العقلُ ليس مَنجاتنا في كلّ الأوقات. سنكون تعساء لو صدّقنا هذه الأخدوعة، وسنكون أكثر تعاسة عندما نستعينُ بها ونراها تتخلّى عنّا.
بعضُ الأحزان، أو الإكتئابات، لا تُداوى بالعقل، وأظنّها واحدةً من أسرار الحياة الثمينة أن نتعلّم كيف نداوي أحزاننا عندما نعجزُ عن عقلنتها.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حكاية سجاد

العمود الثامن: متى يتقاعدون؟

هل يستطيع العراق في 2026 أن يهزم الفساد وينزع سلاح الميليشيات؟

العمود الثامن: فتاة حلب

الدبلوماسية العراقية: من التحديث الملكي إلى مأزق العنف السياسي

العمود الثامن: انقلاب الفتلاوي

 علي حسين إذا كان جنابك من الذين يتابعون الأخبار، فأتمنى أن تتابع خطبة الشيخ صدر الدين القبانجي الذي اعلن فيها ان شيخ الازهر سيعلن تشيعه ، وان مصر ستتحول الى دولة شيعية قريباً...
علي حسين

قناديل: عندما يعجزُ العقلانيُّ عن عقلنة آلامه

 لطفية الدليمي مقالتي اليوم سردٌ لحكاية حقيقية حصلت في الأيّام القليلة الماضية مع صديق عزيز لي عرفتُهُ عبر الفيسبوك. لم يكن صديقي كائناً هشّاً، ولا ممّن تهزمُهُم التفاصيلُ العابرة. كان، في نظر كلّ...
لطفية الدليمي

قناطر: نريد جسراً نعبره إلى الحياة

طالب عبد العزيز إذا كان المفكرون المحتجون على الواقع العراقي يقولون بأنَّ غالبية الشعب العراقي تعيش في الماضي، وهي مقولة نتداولها في الحيث والتعبير عن أزمتنا في السياسة والدين والاجتماع فأنَّ الغالبية هذه تعيش...
طالب عبد العزيز

هل يمثل النموذج العراقي مخرجا للأزمة السورية؟

سعد سلوم (1-2) في عام 2006، وضمن مراسلات نشرتها مؤسسة MICT الألمانية، كنتُ أخوض سجالا فكريا مع الصحفي السوري "كمي الملحم" حول ارتدادات الزلزال العراقي المتوقعة على سوريا. كان هاجسه الأكبر حينها هو تجنب...
سعد سلّوم
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram