نينوى / سيف الدين العبيدي
أطلقت مدينة الموصل حملة بيئية واسعة لزراعة 21 مليون بذرة من نبات البابونج، المعروف محلياً باسم «البيبون»، في خطوة تهدف إلى حمايته من التراجع وإعادة انتشاره بوصفه رمزاً زراعياً وتراثياً ارتبط بتاريخ المدينة وسكانها منذ قرون.
وتُعرف أم الربيعين بانتشار نبتة البابونج، أو «البيبون» باللهجة الموصلية، التي تمثل رمزاً حضارياً لدى الآشوريين، إذ تظهر منقوشة على آثارهم القديمة. وتنمو هذه النبتة طبيعياً من دون تدخل الإنسان في المساحات الخضراء، كالجزرات الوسطية والحدائق والمزارع، مفضّلة التربة الرطبة ودرجات الحرارة المعتدلة، لذلك يقتصر موسمها على شهري آذار ونيسان قبل أن تختفي مع ارتفاع الحرارة في أيار.
وخلال السنوات الأخيرة، أدى تراجع معدلات الأمطار إلى انخفاض ملحوظ في ظهور البابونج، إذ تعتمد النبتة في انتشارها على بذورها التي كانت تتطاير في الجو مع بداية الصيف، لتبقى كامنة حتى موسم النمو اللاحق. ومع تقلّص هذه العملية، بادر فريق مؤسسة مثابرون للبيئة، وبمشاركة مفتشية آثار نينوى و*بلدية الموصل*، إلى تنفيذ حملة لزراعة 21 مليون بذرة، انطلقت مرحلتها الأولى من أمام سور نينوى الأثري.
وقال أنس الطائي، قائد فريق «مثابرون»، إن «البيبون» يُعد إرثاً زراعياً يجب الحفاظ عليه، محذّراً من أنه مهدد بالانقراض في حال عدم الاهتمام بإكثاره. وأوضح أن النبتة لم تصل إلى مرحلة الإزهار خلال عامي 2024 و2025، ما أدى إلى قلة إنتاج بذورها. وبيّن أن البابونج يزرع نفسه ذاتياً، فعند جفافه تسقط بذوره وتنتشر عبر الرياح، وهو ما يفسر وجوده في أماكن متعددة، واصفاً إياه بـ«الصيدلية الشتوية» لما يُنسب إليه من فوائد في معالجة الأمراض المزمنة. وأشار إلى أن نشر البذور سيسهم في إعادة انتشاره، إذ تنتج كل بذرة نحو سبع أزهار، وتنتج كل زهرة ما بين 700 وألف بذرة.
وفي سياق متصل، لفت الطائي إلى أن البابونج في مصر أصبح مصدراً للدخل لعدد كبير من العائلات التي تعمل على زراعته وتصديره بكميات كبيرة إلى دول عدة، من بينها العراق. في المقابل، لا يحظى هذا النبات باهتمام مماثل في الموصل، باستثناء بعض الفلاحين الذين يقطفونه ويبيعونه للعطّارين بسعر يصل إلى 14 ألف دينار للكيلوغرام الواحد، ويُباع غالباً مجففاً. وأضاف أن فريقهم يعمل أيضاً على إعادة زراعة أشجار الصنوبر والسرو العمودي، بوصفها من الإرث الزراعي للمدينة، بعد أن تراجعت زراعتها نتيجة التغير المناخي.
من جانبه، تحدث محمد لازم، مدير مؤسسة «مثابرون»، عن حملة موازية لزراعة 60 ألف بذرة من شجرة اللوسينيا في منطقة وادي القصب، إحدى المناطق التي تتجمع فيها مياه الأمطار وتبقى تربتها رطبة حتى نهاية الربيع. وأوضح أن اختيار هذه الشجرة جاء لقدرتها على تحمّل الجفاف، فضلاً عن استخدام ثمارها وأوراقها كأعلاف للأغنام. وأضاف أن الخطة، في حال نجاحها، ستتوسع لتشمل أودية أخرى، لا سيما في جنوب الموصل الذي يعاني من قلة المساحات الخضراء. وأشار إلى أن نينوى، رغم كونها من أوائل المدن المهتمة بالزراعة، لم تحقق الاكتفاء الذاتي من الأوكسجين لمواجهة التلوث الناتج عن انبعاثات المعامل والسيارات ومصافي النفط والمولدات، مؤكداً أن فريقه زرع حتى الآن 80 ألف شجرة بجهود ذاتية.
بدوره، أكد رويد موفق، مفتش آثار نينوى، أن النحات الآشوري جسّد البابونج في العديد من المنحوتات وواجهات القصور على الطابوق المفخور والمزجج، وكذلك على الملابس الملكية. وبيّن أن إزهار هذه النبتة كان يعلن بداية فصل الربيع، ويرمز إلى النقاء والنصر والشفاء.









