حسن الجنابي
(2-2)
أعاقت الصراعات الحادة على السلطة في العراق الجمهوري تطوير بيئة صالحة لعمل دبلوماسي رصين يقوم على ثوابت وطنية مستقرة في ظل استقطاب سياسي عالمي حاد. وبرغم تبني «الحياد الإيجابي» في سياق الحرب الباردة، لكن التوجه العام للجمهورية الأولى، كان واضحاً في التموضع ضد المعسكر الغربي، مثل العشرات من الدول الفتية الطامحة في التحرر من الفترة الاستعمارية والاحتلال المباشر، خاصةً في ظل احتلال فلسطين والدعم الغربي لإسرائيل.
عمقت التطورات الإقليمية والدولية الاصطفافات السياسية في الداخل وأثّرت في خيارات الدبلوماسية العراقية. شكّل حزب البعث التحدي الأخطر على ثورة 14 تموز ونظامها، وغامر في الاستيلاء على السلطة، برغم عدم وجود خلافات كبيرة في المواقف والخيارات على مستوى المواقف الدولية. فقد كانت النزعة الانقلابية للبعث أكبر من التزاماته في “جبهة الاتحاد الوطني” التي دعمت اسقاط الملكية المرتبطة عضوياً بالغرب وأقامت نظاماً جمهورياً. وقد توّج البعث سعيه بانقلاب شباط 1963، الذي سجلت خلاله انتهاكات دامية وكان سجل الإعدامات والاغتيالات بحق الشيوعيين على نحو خاص مروعاً. ثم بعد اسقاطه من السلطة في نفس العام، عاد البعث في انقلاب تموز 1968 بوجه آخر سرعان ما تلاشى أمام النزعة الفاشية للحزب الذي حكم العراق لعقود لاحقة حتى اسقاطه عام 2003!
فرض إعلان الجمهورية عام 1958 بالطبع إعادة توجيه الجهد الدبلوماسي بما يعكس التوجهات الجديدة للحكم في الابتعاد عن المحور الغربي والاقتراب من الاتحاد السوفيتي وحلف وارشو، لا سيما في مجالي التسليح والاقتصاد.
انعكست توجهات تلك المرحلة بأربعة إجراءات وهي:
- افتتاح سفارات عراقية في دول أجنبية بناءً على اعترافها بالنظام الجديد بعد 14 تموز 1958.
- تعيين سفراء من العسكريين والمدنيين الذين دعموا الثورة، أو أولئك الذين كانوا متضررين أو مفصولين من الخدمة في ظل النظام الملكي.
- التساهل في شروط التعيين في المناصب الدبلوماسية العليا، إذ اقتصرت على مضي خمسة عشر عاماً بعد الحصول على شهادة عليا، وإتقان اللغة الإنكليزية أو الفرنسية، وثم في استثناء المعينين من شرطي الامتحان والعمر.
- استخدام منصب السفير كوسيلة للتخلص من الخصوم السياسيين عبر إبعادهم عن بغداد، كما حدث في تعيين عبد السلام عارف سفيراً للعراق في ألمانيا بعد تفاقم خلافه مع الزعيم عبد الكريم قاسم، أو تعيين السياسي المعروف فائق السامرائي سفيراً في القاهرة عقب إظهاره مواقف مناوئة للحكم.
كانت تلك الممارسات بواكير اتجاه الاستخدام السياسي للسفارات لأغراض تصفية الخلافات الشخصية والحزبية، وليس تمثيل المصالح العليا للدولة، على النحو المعمول به في الدول المستقرة.
على الصعيد الداخلي شهدت الساحة اضطرابات متلاحقة، توّجت بمحاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم في 17 تشرين الأول 1959 في شارع الرشيد، وما أعقبها من أحداث دامية. كانت تلك الاضطرابات مؤشراً على تحولات عميقة في تحالفات العراق ومواقفه ومن أبرزها في ذلك السياق الموقف من الوحدة بين مصر وسوريا، ومطالبة عبد الكريم قاسم بضم الكويت، وما أثارته من استقطابات داخلية وعربية وإقليمية.
وفي ظل تلك الخلافات السياسية اتخذ الزعيم عبد الكريم قاسم خطوات أخرى في المجال الدبلوماسي. فقد أقدم على سحب خمسة وعشرين سفيراً عراقياً من الدول التي اعترفت باستقلال الكويت، وربما كان من الأفضل دبلوماسياً الإبقاء عليهم كقنوات تخدم موقف حكومته في تلك البلدان.
أنيطت حقيبة وزارة الخارجية في العهد الجمهوري الأول بالسيد عبد الجبار الجومرد حتى شباط 1959. جاء بعده الدبلوماسي والاقتصادي البارز الدكتور هاشم جواد الذي غادر العراق إثر انقلاب شباط 1963، لكنه أغتيل في بيروت عام 1972 وكان حينها موظفاً أممياً.
تبوأ منصب وزير الخارجية بعد ذاك عدد من الشخصيات المعروفة، لم ينج من مصير الاغتيال أو القتل في السجون أو الإعدام سوى قلة منهم، في انعكاس فادح لهشاشة الدولة وتغوّل العنف السياسي.
كذلك استفحل الاستخدام الفئوي والحزبي للسفارات في ظل حكم البعث ما بعد 1968، حيث “أمّمت” درجة السفير لصالح البعثيين فقط، وأُلحقت العديد من السفارات وكوادرها بجهاز المخابرات، وتكثفت أنشطة التجسس والمراقبة ضد أبناء الجاليات العراقية والمعارضين السياسيين، بل وحتى ضد الدول المضيّفة نفسها، مما ترك آثاراً عميقة على صورة العراق وعلاقاته الخارجية.
وعموماً، يمكن القول إن النشاط الدبلوماسي العراقي، منذ إسقاط الملكية وحتى العهد البعثي الثاني، كان أقل فاعلية واستقراراً مما كان عليه في العهد الملكي، بسبب الانقلابات العسكرية المتلاحقة في تموز 1958، وشباط 1963، وتشرين الثاني 1963، وتموز 1968، وما أفضت إليه من اهتزازات في توجهات الدولة وخياراتها الخارجية.
وقد يكون من اللافت تسجيل عزوف حكام العراق في الفترات الجمهورية عن القيام بزيارات خارجية، وهو ما يرجح أنه كان ناجماً عن الخشية من وقوع انقلابات عسكرية أثناء وجودهم خارج البلاد.
يعكس ذلك السلوك حجم الانكماش في الأداء الدبلوماسي بفعل تغليب الهاجس الأمني الداخلي على متطلبات السياسة الخارجية. فلم يشهد العراق سوى فترات قصيرة من الاستقرار الداخلي بتوجهات خارجية ثابتة، بينما انشغل في تاريخه الجمهوري بالحروب، وبالعنف الدموي الذي وسم الحكومات المتعاقبة.










