جمال العتابي
عادل مردان، واحدٌ من الأصوات الشعريّة العراقية التي اشتغلت على تحرير التجربة الشعرية من قوالبها الجاهزة، والبحث عن ص يغ تعبيرية تستجيب لتحولات الواقع والذات معاً، في أعماله الشعرية مسار واضح منحاز بوعي إلى قصيدة النثر، بوصفها فضاءً أوسع للتجريب والتأمل، لغته مكثفة، مشحونة بالرمز والقلق، صور مفتوحة، ومقاطع سردية قصيرة، تقترب أحياناً من المشهد المسرحي، أو اللقطة السينمائية، بما يمنح قصيدته طابعاً بصرياً، يجعلها قابلة للحوار مع الفنون الأخرى، كما في هذا النص:
سيرك رافديني 2
القطيعُ سادرٌ بالتلاؤم
سادرٌ كي يُعَبّرَ
عن وجدهِ المُستفيض
أيّها المارّة البسطاء
حَذارِ
من متاهاتِ السّيرك
……..
صحراؤنا تمتدُّ إلى التُّخوم
هم يتسلقونَ شجرةَ الرّائي
داميةٌ أغصانُها على الرّملِ
حالمينَ بأمجادٍ
وهو المستشرفُ
في مخيّلةٍ هائمة
تكفيه مفازاتُ اللّيل
……..
تقوم قصيدة « سيرك رافديني 2 " على بنية رمزية كثيفة، تستثمر المفارقة بوصفها أداة تفكيك للواقع الجمعي، وتشتغل على ثنائية القطيع -الرائي بوصفها ثنائية معرفية وأخلاقية قبل أن تكون توصيفًا اجتماعيًا. النص يبني مشهداً استعارياً مفتوحاً، تتحوّل فيه اللغة إلى فضاء تأويلي بنبرة تحذيرية:
«القطيعُ سادرٌ بالتلاؤم / سادرٌ كي يُعَبّرَ / عن وجدهِ المُستفيض»
هنا «التلاؤم» ليس انسجاماً إيجابياً، بل استغراقاً في فقدان الفردانية. «الوجد المستفيض» لا يحيل إلى تجربة روحية سامية، بل إلى نشوة جمعية مفرغة من الوعي، إذ يصبح التعبير ذاته فعلاً آلياً صادرًا عن قطيع لا عن ذوات مفكرة.
يتقدّم النداء:
«أيّها المارّة البسطاء / حذارِ / من متاهاتِ السّيرك» هنا منعطف أخلاقي فـ»المارّة البسطاء»ليسوا ضحايا سرديات جاهزة، و»متاهات السيرك» تحيل إلى التاريخ المؤدلج، أو الذي يتحوّل من ذاكرة إلى فخ. التحذير هنا لا يعلّم، بل يوقظ الشك، وهو من سمات الكتابة الشعرية المعاصرة التي تستبدل الوعظ بإثارة الريبة.
تتسع الرقعة الدلالية:
«صحراؤنا تمتدُّ إلى التُّخوم»
الصحراء ليست جغرافيا، بل حالة وجودية، فراغ ممتد، وانسداد أفق. الامتداد «إلى التخوم» يوحي بغياب المركز، و القحط لم يعد ظرفاً طارئاً بل مصيراً.
المفارقة الأشد كثافة تتجسد في:
«هم يتسلقونَ شجرةَ الرّائي / داميةٌ أغصانُها على الرّملِ»
«شجرة الرائي»استعارة للبصيرة، غير أن التسلق هنا فعل عنيف، انتهازي، يُفضي إلى نزف الشجرة ذاتها. المعرفة تُستنزف حين تتحول إلى وسيلة مجد، لا إلى سؤال. الدم على الرمل يوحّد الهشاشة (الرمل) مع العنف (الدم)، في صورة تفضح الثمن الذي يدفعه الرائي في مجتمعات تستهلك الرؤيا ولا تحمي أصحابها.
لا خلاص جماعيًا هنا، بل نجاة فردية مؤقتة. الرائي لا يقود القطيع ولا يواجهه، يكتفي بـ»مفازات الليل»وهي صورة دالّة على العزلة، والتأمل. الليل: ليس ظلامًا بل شرطًا للرؤية خارج الضجيج.
أسلوبياً اعتمدت القصيدة على اقتصاد لغوي محسوب، وجُمل قصيرة تُراكم توتراً دلالياً، هذا الاختزال يمنح النص طاقة إيحائية عالية تتمثل في:
محاكمة الواقع وإدانة القطيع، وتضع القارئ داخل المتاهة.
***
ضمن هذا السياق لا يأتي التخطيط التشكيلي للفنان هاشم تايه بوصفه شرحاً بصرياً لقصيدة «سيرك رافديني» ولا القصيدة نصاً تابعاً للتخطيط، بل يقف الاثنان عند تخوم مشتركة، حيث تتقاطع الرؤية مع اللغة، ويتحول الإيقاع الشعري إلى خطّ، والرمز التشكيلي إلى استعارة لغوية، هنا يُعاد إنتاج المعنى في فضاء ثالث - حقل دلالي مفتوح تتجاور فيه الذاكرة مع قسوة المشهد، يكون فيه «السيرك» استعارة لعالم مختل تتنازعه الفوضى والدهشة معاً.
من هنا يأتي عمل تايه بوصفه تجسيداً مكثفاً لجوهر هذه التجربة. نحن لسنا أمام تمثال بالمعنى الأكاديمي، ولا لوحة مسطّحة، بل كيان هجين يقف عند تخوم الرسم والنحت، وعند تخوم اللعب والكابوس. الجسد مصنوع من ورق مطبوع بالنصوص، ملصق ومركّب بعناية متعمّدة تُظهر هشاشته.
دمية أو فزاعة برأس كبير وملامح مختزلة، عينان دائريتان تشبهان الأزرار، فم مفتوح في حالة دهشة أو صرخة صامتة. الأطراف مرفوعة بحركة مبالغ فيها، لا تُقرأ بوصفها حركة فرح، بل كإيماءة استغاثة أو احتجاج بلا صوت. سرعان ما ينقلب إلى توتر داخلي.
العينان الجامدتان توحيان بتحجّر النظرة من فرط ما رأت، والفم المفتوح يؤكد حالة العجز عن الكلام في عالم يفيض بالضجيج.
أما تشظي الخامة واختلاف أجزاء الجسد، فيحيل إلى تشظي الهوية واختلال التوازن الداخلي.
يجمع هذا العمل، كما تجربة هاشم تايه عموماً، بين السخرية السوداء والوجع الوجودي. لا يراهن الفنان على الإبهار التقني أو الجمال الزخرفي، بل على الصدمة الرمزية، وعلى تحويل البراءة الشكلية إلى أداة نقد. الإنسان هنا كائن مصنوع من الورق والكلام، يرفع يديه، يفتح فمه، لكنه يبقى عاجزاً عن النطق، في صورة تختصر أزمة الإنسان في زمن القلق، التفكك، وفقدان المعنى.
تمثل تجربة هاشم تايه التشكيلية أحد المسارات الخاصة في التشكيل العراقي المعاصر، إذ تنشغل على نحوٍ عميق بـتفكيك صورة الإنسان بوصفه كائناً هشّاً، مركّباً، ومأزوماً. لا يسعى الفنان إلى إنتاج جماليات مستقرة أو صيغ شكلية مكتملة، بل يعمل على مساءلة الوجود الإنساني ذاته، في زمن تآكلت فيه المعاني وتكاثفت الضغوط النفسية والاجتماعية.
ينطلق تايه من حسّ قريب من الفن الفطري والتعبيرية الساخرة، غير أنه يوظف هذه البراءة الظاهرية بوصفها قناعاً بصرياً يخفي خلفه نقداً اجتماعياً ونفسياً لاذعاً. شخوصه غالباً ما تأتي مشوّهة، دُمى-إنسانية، أو كائنات هجينة، بلا هوية فردية واضحة، كأنها نماذج عامة لإنسان معاصر فقد مركزه، وتحوّل إلى مادة للاستهلاك أو للعرض.
تعتمد تجربته على خامات بسيطة وهشّة (الورق، النصوص المطبوعة، اللصق، المواد الجاهزة)، وهي ليست اختياراً تقنياً محايداً، بل موقفاً جمالياً وفكرياً يؤكد هشاشة الكائن الإنساني نفسه. الجسد في أعماله متشظٍّ، غير متجانس، والرأس غالباً منفصل دلالياً عن الجسد، في إشارة إلى اختلال العلاقة بين الوعي والفعل، وبين الفكر والواقع.
بهذا المعنى، يتموضع هاشم تايه خارج القوالب الأكاديمية الصارمة، وفي منطقة وسطى بين الرسم، المجسّم، والبيان البصري، مؤكداً أن الفن لديه ليس تمثيلاً للواقع، بل أداة لفضحه ومساءلته.
تخوم الشعر والتشكيل

نشر في: 19 يناير, 2026: 12:04 ص









