TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > باليت المدى: غناء تحت المطر

باليت المدى: غناء تحت المطر

نشر في: 19 يناير, 2026: 12:04 ص

 ستار كاووش

الحياة في الكثير من الأحيان تشبة لعبة البولينغ، حيث عليك أن ترمي هدفاً من أجل الإطاحة بهدف آخر. ربما يحدث هذا بعفوية ودون تخطيط مسبق. وأحياناً يكون نوعاً من الحل، حتى وأن بدا غريباً بالنسبة للكثيرين. وأنا بطبعي رغم الترتيب الذي أبدو عليه، أرى أن أي تصرف فيه بعض الجنون يجعل يومي أجمل وأكثر بهجة وخصوصية.
البارحة مثلاً، خرجتُ من البيت للقيام بجولة صغيرة بعد أن توقف المطر. وما أن مضيتُ بضع خطوات حتى إنتبهتُ لحركة وضجيج جيراني الجدد في الجهة المقابلة من الشارع، فأكملتُ طريقي وأنا أتابع حركتهم داخل وخارج البيت، حيث إنشغلوا بإدخال بعض العلب الكارتونية الكبيرة وقطع الأثاث. أكملتُ طريقي بعد أثارتْ انتباهي فتاة جاءت من الجهة المعاكسة وهي تُطأطيء رأسها مستغرقة بالنظر الى تلفونها وكأنها تمشي أثناء النوم، فيما نَسيَتْ كلبها الصغير يسير خلفها ببضعة أمتار.
وفيما إبتعدت الفتاة خلفي، فكرتُ بالعودة الى البيت، لكن بقعة ماء صغيرة على الرصيف لفتت إنتباهي، نعم بقعة ماء من تلك التي يخلّفها المطر، فإقتربتُ منها وضربتُ بحذائي قليلاً على الماء حتى تناثرتْ بعض القطرات هنا هناك، ثم أكملتُ الطريق على مهل. ولم تمض بضع دقائق حتى شاهدتُ بقعة أخرى من الماء فلم أستطع منع نفسي من المشي فوقها، وأكملتُ طريقي وأنا أضرب حذائي على الرصيف من جديد.
أكملتُ طريقي ببطئ، حتى شاهدتُ جاري هينك يعبر الشارع قادماً بإتجاهي، وما أن توقفنا أمام بعضنا سألني عن الجيران الجدد، ثم تحدثنا عن سياج الحديقة الذي يفصل بيننا بعد أن إتفقنا قبل أيام على أن نشترك في تجديده. في الحقيقة كنتُ أحدثه وأنا أنظر الى بركة الماء الصغيرة التي وقفنا بمحاذاتها، أخبره بتفاصيل ونوعية خشب السياج وأنا أحرك قدمي بهدوء حتى تقترب من الماء وأربت بحذائي قليلاً وكأن الأمر عفوياً تماماً، وهو يستمع الي ثم ينظر مستغرباً الى حذائي الذي يذهب خلسة مثل سلحفاة نحو بقعة الماء، لكنه مع ذلك لم يقل شيئاً. ودعته ثم أكملت الطريق نحو مركز المدينة وهناك ظهر شريط مائي طويل على الرصيف، فأخذتُ أمشي لصقه تماماً وأنا أضع قدميَّ تباعاً واحدة على الماء والأخرى على الرصيف الجاف، وكأني أتقمص شخصية جين كيلي وهو يغني رائعته (أغنية تحت المطر). صار الشريط المائي الصغير خلفي حين إقتربتُ من محلات (سي أن دي) وهناك ظهرت جارتي مارغريت وهي تحمل علبة كبيرة مليئة ببعض النشرات الملونة التي تُستعمل في أعياد الميلاد، فأستقبلتها بإبتسامة قبل أن تتوقف وتسألني عن زوجتي وكيف سنقضي نهاية الأسبوع، ثم إتفقنا على زيارتهم كي نشاركهم القهوة مع كعك الزنجبيل الذي تصنعه في البيت.
جولة صغيرة في المدينة، عدتُ بعدها أدراجي بإتجاه البيت من خلال شوارع فرعية أخرى، حيث بدأت بقع الماء تختفي أو تصغر شيئاً فشيئاً على الأرصفة، وكلما شاهدتُ بقعة ماء متبقية مما تركه المطر أمرر حذائي عليها بتناغم متعمد. وقبل أن أصل البيت بقليل ظهر محل التاتو الذي كانوا يجهزون له واجهة جديدة ورسومات بدت سيئة على زجاج النوافذ، لذا لم أهتم بها، والأهم هو بقعة الماء الأخيرة التي كانت بالجوار، كانت ضيقة، لكنها كافية لأقترب منها ببطء وأضع حذائي عليها. بدأت بإفتعال النظر الى رسومات بعض الفراشات التي يقابلها أسد ضخم، والتي رُسمتْ بالأسود والأبيض على زجاج نافذة المحل، لكن هدفي الحقيقي هو تحريك حذائي بهدوء على بقعة الماء. انتبه الشاب الذي كان يدهن الواجهة لما أقوم به وإبتسم، فابتسمت له ايضاً وتظاهرت باللعب وعدم المبالاة. هززتُ رأسي تحية له، ثم أكملت الطريق.
وعند وصولي الى البيت، نظرت الى أسفل الحذاء، وتمتمت مع نفسي (وأخيراً تخلصتُ من فضلات الكلب التي دست عليها دون قصد عند خروجي من البيت وأنا منشغل بمتابعة الجيران الجدد).

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

العمود الثامن: محنة صاحبة الجلالة

 علي حسين كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد،...
علي حسين

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

 ستار كاووش تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج...
ستار كاووش

8 شُبَاط 1963: الانْقلاب اَلذِي مَا زال يُحدِّد مصير العرَاق اليوْم

عصام الياسري شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية...
عصام الياسري

الدبلوماسية في ظل البعث: إستبداد الداخل وضغوط الخارج

حسن الجنابي (3من 4) مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع. فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram