ستار كاووش
الحياة في الكثير من الأحيان تشبة لعبة البولينغ، حيث عليك أن ترمي هدفاً من أجل الإطاحة بهدف آخر. ربما يحدث هذا بعفوية ودون تخطيط مسبق. وأحياناً يكون نوعاً من الحل، حتى وأن بدا غريباً بالنسبة للكثيرين. وأنا بطبعي رغم الترتيب الذي أبدو عليه، أرى أن أي تصرف فيه بعض الجنون يجعل يومي أجمل وأكثر بهجة وخصوصية.
البارحة مثلاً، خرجتُ من البيت للقيام بجولة صغيرة بعد أن توقف المطر. وما أن مضيتُ بضع خطوات حتى إنتبهتُ لحركة وضجيج جيراني الجدد في الجهة المقابلة من الشارع، فأكملتُ طريقي وأنا أتابع حركتهم داخل وخارج البيت، حيث إنشغلوا بإدخال بعض العلب الكارتونية الكبيرة وقطع الأثاث. أكملتُ طريقي بعد أثارتْ انتباهي فتاة جاءت من الجهة المعاكسة وهي تُطأطيء رأسها مستغرقة بالنظر الى تلفونها وكأنها تمشي أثناء النوم، فيما نَسيَتْ كلبها الصغير يسير خلفها ببضعة أمتار.
وفيما إبتعدت الفتاة خلفي، فكرتُ بالعودة الى البيت، لكن بقعة ماء صغيرة على الرصيف لفتت إنتباهي، نعم بقعة ماء من تلك التي يخلّفها المطر، فإقتربتُ منها وضربتُ بحذائي قليلاً على الماء حتى تناثرتْ بعض القطرات هنا هناك، ثم أكملتُ الطريق على مهل. ولم تمض بضع دقائق حتى شاهدتُ بقعة أخرى من الماء فلم أستطع منع نفسي من المشي فوقها، وأكملتُ طريقي وأنا أضرب حذائي على الرصيف من جديد.
أكملتُ طريقي ببطئ، حتى شاهدتُ جاري هينك يعبر الشارع قادماً بإتجاهي، وما أن توقفنا أمام بعضنا سألني عن الجيران الجدد، ثم تحدثنا عن سياج الحديقة الذي يفصل بيننا بعد أن إتفقنا قبل أيام على أن نشترك في تجديده. في الحقيقة كنتُ أحدثه وأنا أنظر الى بركة الماء الصغيرة التي وقفنا بمحاذاتها، أخبره بتفاصيل ونوعية خشب السياج وأنا أحرك قدمي بهدوء حتى تقترب من الماء وأربت بحذائي قليلاً وكأن الأمر عفوياً تماماً، وهو يستمع الي ثم ينظر مستغرباً الى حذائي الذي يذهب خلسة مثل سلحفاة نحو بقعة الماء، لكنه مع ذلك لم يقل شيئاً. ودعته ثم أكملت الطريق نحو مركز المدينة وهناك ظهر شريط مائي طويل على الرصيف، فأخذتُ أمشي لصقه تماماً وأنا أضع قدميَّ تباعاً واحدة على الماء والأخرى على الرصيف الجاف، وكأني أتقمص شخصية جين كيلي وهو يغني رائعته (أغنية تحت المطر). صار الشريط المائي الصغير خلفي حين إقتربتُ من محلات (سي أن دي) وهناك ظهرت جارتي مارغريت وهي تحمل علبة كبيرة مليئة ببعض النشرات الملونة التي تُستعمل في أعياد الميلاد، فأستقبلتها بإبتسامة قبل أن تتوقف وتسألني عن زوجتي وكيف سنقضي نهاية الأسبوع، ثم إتفقنا على زيارتهم كي نشاركهم القهوة مع كعك الزنجبيل الذي تصنعه في البيت.
جولة صغيرة في المدينة، عدتُ بعدها أدراجي بإتجاه البيت من خلال شوارع فرعية أخرى، حيث بدأت بقع الماء تختفي أو تصغر شيئاً فشيئاً على الأرصفة، وكلما شاهدتُ بقعة ماء متبقية مما تركه المطر أمرر حذائي عليها بتناغم متعمد. وقبل أن أصل البيت بقليل ظهر محل التاتو الذي كانوا يجهزون له واجهة جديدة ورسومات بدت سيئة على زجاج النوافذ، لذا لم أهتم بها، والأهم هو بقعة الماء الأخيرة التي كانت بالجوار، كانت ضيقة، لكنها كافية لأقترب منها ببطء وأضع حذائي عليها. بدأت بإفتعال النظر الى رسومات بعض الفراشات التي يقابلها أسد ضخم، والتي رُسمتْ بالأسود والأبيض على زجاج نافذة المحل، لكن هدفي الحقيقي هو تحريك حذائي بهدوء على بقعة الماء. انتبه الشاب الذي كان يدهن الواجهة لما أقوم به وإبتسم، فابتسمت له ايضاً وتظاهرت باللعب وعدم المبالاة. هززتُ رأسي تحية له، ثم أكملت الطريق.
وعند وصولي الى البيت، نظرت الى أسفل الحذاء، وتمتمت مع نفسي (وأخيراً تخلصتُ من فضلات الكلب التي دست عليها دون قصد عند خروجي من البيت وأنا منشغل بمتابعة الجيران الجدد).










