حازم مبيضينيؤشر الدارسون عن بعد لشخصية العقيد الليبي معمر القذافي، إلى أن الرجل مصاب بجنون العظمة، وبما يعني أنه مثقل بوهم الشعور بالاضطهاد، والحساسية المفرطة تجاه ما يصدر عن الآخرين، وعدم الثقة بهم، شخصيته طاغية متعالية تحتقر الغير وتستخف بهم، ولا تقيم وزناً لمن يخالفها الرأي ولا تقبل أي شكل من أشكال النقد، على أساس قناعة بأنها الأصوب والأسلم، وتكمن خطورة هذا النوع من الشخصيات في أنها تبدو للبعض منطقية التفكير
ومقنعة ومتماسكة، بينما يأخذ التمركز حول الذات وتضخيم الأنا أشكالاً واضحة تدل على الخلل، وتتجلى في المنظر والملابس والحركات وليس فقط الأقوال والأفعال، والأخطر من كل ذلك أن صاحب هذه الشخصية المختلة يمتلك قدرة تأثير سلبي كبيرة على حياة محيطه ومن يعيشون معه، بحيث يمكن أن يطبعهم بطباعه وتوجساته وأوهامه، استناداً إلى قدرته على الإقناع بوجهة نظره.من الواضح صعوبة التعامل مع هذا النوع من البشر غير الأسوياء، لسوء خلقهم وطباعهم الصعبة المراس، وعدوانيتهم المرضية، وقدرتهم ورغبتهم في تحويل الأحقاد إلى تصرفات هدامة تهدد أمن الآخرين وتذهب في حالات الخوف والشعور بالتهديد لحد اقتراف جريمة قتل، وهي شخصيات تعتمد آليات للدفاع عن النفس كالتبرير والتعويض والإنكار، وتسقط مشكلاتها النفسية على من عداها، وترى نفسها ضحية تآمرهم ضدها، وبما يحولهم إلى مسؤولين عما يقترفه بحقهم من آثام، لقناعته المرضية بأنه فقط يدافع عن نفسه ليس أكثر، والقذافي حين يخرج علينا بهذيانه فلأن المحللين النفسيين يرون أن للهذيان علاقة بالشعور بالإثم وبالجنسية المثلية المكبوتة والمسقطة، والمؤكد أن درجة إصابة القذافي بهذا الاضطراب تجاوزت الحدود الطبيعية، وبلغت درجة من الثبات والتحجر يصعب معها التأقلم مع الواقع، والمؤلم حد الفجيعة أن تمتلك مثل هذه الشخصية كل وسائل التدمير والسيطرة، من ثروة وسلطة وأجهزة أمنية وعسكرية وتغوّل عظيم على بقية السلطات.في حربه ضد شعبه استخدم القذافي كل الأسلحة المتاحة لقصف المنشآت التي بنيت بأموال الشعب، والأحياء السكنية في المدن، ولم يترك وسيلة للتنكيل إلا ولجأ إليها، ضارباً عرض الحائط بأبسط المبادئ الإنسانية والأخلاقية، بدءاً بمنع الجرحى من الحصول على الإسعافات الضرورية وخطفهم من المستشفيات، ومروراً بأنه قدم بالصوت والصورة نفسه وابنه وأعوانه كضمانة لأمن أوروبا والبحر المتوسط و"إسرائيل"، بعد أن كان سلم أميركا ما يملكه من سلاح وضمانات إثر سقوط صنم العراق، ومحاولاً جهد طاقته تذكير دول الغرب بالامتيازات النفطية التي منحها لشركاتها، ووصولاً إلى ما تكشف عن تعاقده مع شركات (إسرائيلية) دفع لها المليارات لرفده بالمرتزقة للاستعانة بهم على شعبه.لم يكن غريباً ولا غير متوقع أن يثور الشعب الليبي ضد حاكم دكتاتور يمتلك هذه الشخصية المرضية، لكن المستغرب أنه صبر عليه وكأنه مخدر لأكثر من أربعين عاماً، وهو اليوم يفقد تأييد أقرب المقربين إليه، فبينما انشق عنه العديد من معاونيه منذ أول أيام الثورة، فإن الدور وصل إلى وزير خارجيته الذي رافقه طوال مدة تحكمه برقاب الليبيين، عله يكفر عن خطاياه، وهو اليوم ينتدب شخصاً لمهمة فيرفضها عسى أن يغفر له ضميره اليوم ما ارتكبه من خطايا، ويظل مع القائد المهرج أبناؤه وبعض مرتزقته ليقاتلوا حتى النفس الأخير، وليثبتوا لشعبهم الثائر أنه كان محقاً في ثورته.في واحد من هذياناته كان القذافي يخطب أمام عشرات الأشخاص المتجمعين في خيمته التي انقلعت أوتادها، وخلال استعراضه لبعض القضايا توصل إلى استنتاج كان بصدد الإعلان عنه قائلاً: إذاً.. وصمت قليلاً، فتعالى هتاف الموجودين، ونسي العقيد استنتاجه وغادر موقعه، لأنه كان يدرك أن هؤلاء قبضوا للتو ثمن حناجرهم الهاتفة بما لا يؤمنون به، فقرر أنهم لا يستحقون أن يبقى بينهم ولا أن يطلعهم على ما توصل إليه، وللأسف فان هذا الرجل عبث بحياة الليبيين ومصائرهم أكثر من أربعة عقود، ستمتد آثارها إلى ما لا نعرف من السنوات، لكنها سنوات في لحظات الغروب الحتمية استجابة لإرادة الشعب.
القذافـي وجنون العظمة

نشر في: 1 إبريل, 2011: 08:49 م







