TOP

جريدة المدى > محليات > مزارعو الجنوب يواجهون المناخ باساليب علمية لتعزيز صمود الزراعة التقليدية

مزارعو الجنوب يواجهون المناخ باساليب علمية لتعزيز صمود الزراعة التقليدية

نشر في: 21 يناير, 2026: 12:02 ص

 متابعة / المدى

في ظل تصاعد الضغوط المناخية وتراجع الموارد المائية، يبرز في جنوب العراق جيل جديد من المزارعين يتجه إلى تبنّي أساليب علمية حديثة وطاقة متجددة، في محاولة عملية لحماية الزراعة التقليدية وضمان استدامتها. تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق يوثّق هذا التحول، مسلطًا الضوء على مبادرات تدريبية وتقنية تهدف إلى تعزيز الصمود الزراعي في المحافظات الجنوبية.
أشار التقرير إلى بروز جيل جديد من المزارعين العراقيين يعمل على حماية الزراعة عبر التحول والتكيّف الفاعل، وعدم الاكتفاء بالتأثر بالتغير المناخي، من خلال الاستفادة من العلم والطاقة المتجددة للحفاظ على إرث زراعي متوارث عن الأجداد.
وذكر التقرير، أن الزراعة في جنوب العراق شكّلت على الدوام الركيزة الأساسية للمجتمعات المحلية، إذ دعمت سبل العيش والثقافات والهويات عبر الأجيال. فمن نخيل التمر في البصرة إلى حقول القمح ومزارع الخضروات في ذي قار وميسان والمثنى، لم تكن الزراعة مجرد مهنة، بل إرثًا حيًا يواجه اليوم ضغوطًا متزايدة، في وقت يعيد فيه جيل جديد من المزارعين صياغة مستقبله بالاعتماد على العلم والطاقة المتجددة وممارسات الصمود المناخي.
وأوضح التقرير أن الأنظمة الزراعية التقليدية وفّرت لعقود استقرارًا نسبيًا في جنوب العراق، إلا أن الضغوط المناخية المتسارعة بدأت تقوّض هذه الأسس، مع معاناة المزارعين من شح مزمن في المياه، وارتفاع ملوحة التربة، وتوغّل اللسان الملحي في الأنهار، واتساع فجوات الطاقة التي تهدد الإنتاجية والاستدامة. كما أصبحت ممارسات مثل الري السيحي (الفيضي)، التي كانت فعّالة سابقًا، أقل توافقًا مع تراجع الموارد المائية وتدهور الأراضي.
وأضاف التقرير أن الاعتماد على وقود الديزل وإمدادات الكهرباء غير المستقرة أسهم في زيادة التكاليف ورفع مستويات الهشاشة، محذرًا من أن غياب التدخل في الوقت المناسب قد يدفع أنظمة زراعية صمدت لقرون إلى التحول نحو مسارات غير مستدامة.
وفي هذا السياق، أطلقت حكومة اليابان، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق، برنامجًا مستهدفًا ضمن مبادرة «تعزيز العمل المناخي المراعي للنزاعات والداعم للسلام في المنطقة الجنوبية ومنطقة الفرات في العراق». وبيّن التقرير أن المبادرة لا تقتصر على إدخال تقنيات جديدة، بل تهدف إلى تمكين المزارعين من الانتقال نحو ممارسات منخفضة الانبعاثات وقادرة على الصمود أمام التغير المناخي، بما يحمي الأرض وسبل العيش والاستقرار الاجتماعي للأجيال المقبلة.
وأوضح التقرير أن هذا التحول انطلق من الدليل العلمي، إذ أُجريت قبل التنفيذ استطلاعات وتقييمات للأراضي ودراسات سوقية في محافظات البصرة وذي قار وميسان والمثنى، مع استشارة أكثر من 250 مزارعًا لتحديد المعوقات والأولويات ونقاط الانطلاق الواقعية للتغيير.
كما اعتمد المشروع نهج «التعلم بالممارسة» بدل الاكتفاء بالتعليم النظري، حيث نُفذت في أواخر عام 2025 تدريبات مكثفة استمرت ثلاثة أيام في المحافظات الأربع، شارك فيها أكثر من 185 مزارعًا، وجرى خلالها تحويل المفاهيم المجردة إلى مهارات عملية قابلة للتطبيق الفوري في الحقول.
ووفق التقرير، عزز المزارعون قدراتهم على إدارة الأراضي في ظروف الملوحة وندرة المياه من خلال تحسين أنظمة التصريف، وزيادة كفاءة الري، واتخاذ إجراءات للحد من تدهور التربة. كما تعرّفوا على تأثير الملوحة في المحاصيل، واستكشفوا الأصناف المتحملة لها، وتعلّموا كيف يمكن لإدارة المياه المدروسة أن تستعيد الإنتاجية بدل استنزاف الموارد.
وأشار التقرير إلى أنه للمرة الأولى بالنسبة للعديد من المشاركين، أصبح العلم ملموسًا، إذ قام المزارعون باختبار تربتهم ومياههم بأنفسهم، وقياس الموصلية الكهربائية، وتبادل الخبرات مع أقرانهم، ما نقل المعرفة من إطارها النظري إلى قرارات عملية مدمجة في العمل الزراعي اليومي، مع توسيع التدريب ليشمل إدارة الثروة الحيوانية.
وبيّنت تقييمات ما قبل وما بعد التدريب تحقيق مكاسب واضحة في المعرفة التقنية في جميع المحافظات، وتحوّل هذه المكاسب إلى ثقة عملية، حيث أفاد المزارعون بقدرتهم المتزايدة على فهم الممارسات الحديثة وتكييفها وتطبيقها ضمن إمكاناتهم وظروفهم الخاصة.
وفي قلب هذا التحول، برز التزام متنامٍ بالطاقة الشمسية، إذ حدّد المزارعون ضخ المياه بالطاقة الشمسية كبديل أساسي لشبكات الكهرباء المتقطعة ووقود الديزل المكلف. وذكر التقرير أن الطاقة الشمسية وفّرت الاستقرار، وخفّضت الانبعاثات، وكانت مجدية اقتصاديًا على المدى الطويل. ومع اقترانها بإدارة ري محسّنة، بات المزارعون قادرين على تقليل فاقد المياه، واستقرار الإنتاج خلال مواسم الذروة، وحماية التربة والدخل من تقلبات المناخ والطاقة.
وخلص التقرير إلى أن هذا الانتقال من الوعي إلى العمل يعكس بروز جيل جديد من حماة الزراعة في جنوب العراق، حيث لم يعد المزارعون مجرد متأثرين بتغير المناخ، بل أصبحوا فاعلين في التكيّف معه، مستخدمين العلم والطاقة المتجددة للحفاظ على موروثهم الزراعي عبر التحول لا المقاومة. وأكد أن مزاوجة المعرفة التقليدية بالأدلة العلمية والأدوات الحديثة لا تضمن استدامة الإنتاج فحسب، بل تحمي أسلوب حياة متجذر، وتُبقي الحقول فضاءات للتجريب والصمود، بما يضمن بقاء الزراعة في جنوب العراق منتجة وحية للأجيال القادمة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

الذهب يقفز إلى مستوى قياسي فوق 4800 دولار للأونصة

تأجيل الحسم.. هل خشي الإطار «رسالة استفزاز» من بغداد إلى دمشق؟

هيئة الاستثمار: حجم الاستثمارات بلغ أكثر من 102 مليار دولار

البصرة بلا ميزان حمولة.. سائقو القلابات يحتجون على الغرامات والفوضى

خبراء: من غير المرجح عودة المالكي لولاية ثالثة

ملحق منارات

مقالات ذات صلة

دائرة الهجرة تحذّر من تفاقم النزوح مع استمرار الأزمة  وانحسار دعم المنظمات الدولية
محليات

دائرة الهجرة تحذّر من تفاقم النزوح مع استمرار الأزمة وانحسار دعم المنظمات الدولية

 ذي قار / حسين العامل   كشفت دائرة الهجرة والمهجرين في محافظة ذي قار عن تسجيل أكثر من 10 آلاف عائلة نازحة، تضم نحو 54 ألف نسمة، من مناطق الأهوار والقرى المتضررة من...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram