فراس ناجي
قد يبدو الحكم على سياسات الرئيس الأمريكي ترامب صعباً للوهلة الأولى، نظراً لتناقض تصريحاته وتقلّب قراراته، إلا إن هذا التخبط الظاهري يخفي رؤية متماسكة تهدف في جوهرها إلى محاولة إعادة بناء أمريكا على صورة نهضتها التاريخية في القرن التاسع عشر: دولة قومية صاعدة اقتصادياً وتوسعية جغرافياً. والسؤال المركزي هنا ليس إذا ما كان ترامب جاداً في مشروعه هذا، بل، ما هي الفرص الحقيقية لنجاحه في هذا المسعى؟
لا يخفي ترامب إعجابه بعدد من الرؤساء الأمريكيين في القرن التاسع عشر مثل أندرو جاكسون ووليام ماكينلي الذين حاكاهم في شعبويته ومناهضته للمؤسسات السياسية الحاكمة، وفي تبني سياسة توسعية إقليمية، وسياسة اقتصادية بتعريفات جمركية مرتفعة لحماية الصناعات المحلية وزيادة الدخل الحكومي. غير إن استدعاء أنموذج تاريخي لا يعني بالضرورة قابليته للاستنساخ؛ فأمريكا اليوم ليست أمريكا القرن التاسع عشر، لا من حيث بنيتها الاقتصادية والمجتمعية، ولا من حيث موقعها في النظام الدولي.
اقتصادياً، تبنّى ترامب سياسة تعريفات جمركية واسعة شملت عشرات الدول، بهدف تصحيح الخلل في الميزان التجاري، وتحفيز التصنيع المحلي، وزيادة إيرادات الدولة دون رفع الضرائب. ورغم الارتفاع الكبير في عائدات الرسوم الجمركية مقارنة بالسنوات السابقة، فإن هذه الزيادة بقيت هامشية في تعويض التخفيضات الضريبية التي أقرّها ترامب، ولم تُحدث فرقاً ملموساً في مسار الدَيْن العام الذي واصل الارتفاع. الأهم من ذلك إن هذه السياسات لم تُترجم إلى نهضة صناعية حقيقية؛ فقد أظهرت تقارير نهاية سنة 2025 تباطؤاً في الطلب الصناعي وتراجعاً في التوظيف، إلى جانب ارتفاع معدلات التضخم الناتج عن زيادة أسعار السلع المستوردة. وبذلك، تحوّلت الرسوم الجمركية من أداة لإعادة التصنيع إلى عبء استهلاكي على الأسر الأمريكية - بما يعادل 2300 دولار لكل اسرة في سنة 2025 - دون معالجة الجذور البنيوية للأزمة الاقتصادية.
فبنيوياً، تحول الاقتصاد الأمريكي تاريخياً من إنتاجي وصناعي تنافسي الى احتكاري ومالي قائم على التمويل والمضاربة في الأسهم؛ ومن النمو الاقتصادي العضوي إلى تحفيز النمو بضخ الديون والانفاق الحكومي. فالأزمة الحالية ليست طارئة، بل نتاج عقود من إعادة هيكلة الاقتصاد لصالح رأس المال المالي، بما يجعل أدوات القرن التاسع عشر عاجزة عن إحداث تحوّل بنيوي في القرن الحادي والعشرين.
جيوسياسياً، أعاد ترامب تشكيل أولويات أمريكا في العالم على أساس فوقية أمريكا وسعيها الى تحقيق مصالحها كقوة عظمى بدون التقيّد بالقانون الدولي والمعايير الإنسانية التي ترسخت خلال الثمانين سنة الماضية. وقد انعكس ذلك مع الحلفاء الأوربيين الذين اعتبرهم ترامب متراجعين حضارياً وطالبهم بالتبعية السياسية والاقتصادية إذا أرادوا الاستفادة من الحماية العسكرية الامريكية. أما في الأمريكيتين، فقد أعاد العمل بعقيدة مونرو – بتحديث دعاه في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي لسنة 2025 "مذهب ترامب" – معتبرها منطقة نفوذ أمريكي حصري. فصرّح ترامب إن كندا هي ولاية أمريكية، وطالب علناً بالاستيلاء على غرينلاند الدنماركية، وهاجم مؤخراً فنزويلا واعتقل رئيسها وزوجته، معلناً إنه "سيديرها" وسيستولي على نفطها. لقد حقق ترامب تحولاً جوهرياً في مسار أمريكا الاستراتيجي سيصعب تعديله على المدى المنظور؛ فقد فكك عملياً التحالف التاريخي منذ الحرب العالمية الثانية بين أوروبا الغربية وأمريكا لبناء وادامة نظام الهيمنة العالمي – والذي واقعياً هو امبريالية مغلفة بالخطاب الديمقراطي الليبرالي – وبدأ بالتحول نحو الامبريالية النفعية المباشرة التي تعتمد الضغط الاقتصادي والتهديد العسكري لتحقيق مكاسب سريعة دون الانخراط في مشاريع احتلال طويلة الأمد.
غير إن هذا النهج يواجه بدوره حدود القوة الأمريكية على الواقع. فبالإضافة الى تحدي روسيا للهيمنة الغربية بغزوها أوكرانيا، أظهرت الصين القدرة على الرد عندما حاول ترامب استخدام الاقتصاد كأداة في الصراع الجيوسياسي بفرضه الرسوم الجمركية التصاعدية على الصين (والتي وصلت الى مستويات غير مسبوقة: 145% من الجانب الأمريكي مقابل 125% من الجانب الصيني). ففرضت قيود صارمة على تصدير المعادن النادرة والمغناطيسيات الدائمة المصنوعة من هذه المعادن ما أدى الى اذعان أمريكا وتخفيض الرسوم الجمركية على الصين الى مستوياتها السابقة. وعلى الرغم من إن الهجوم الأمريكي على فنزويلا يمكن أن يمثّل نجاحاً لسياسة ترامب الامبريالية النفعية – ولو إن الوقت مبكر جداً لتقييم نتائج هذا الهجوم – إلا إن ترامب كان قد أظهر نهجاً تراجعياً ومنفعياً عندما لاقت أمريكا مقاومة رادعة؛ كما حين أوقف ترامب عدوانه العسكري على الحوثيين في اليمن وعلى إيران الذين وصفهم بأنهم اظهروا الشجاعة في حربهم مع أمريكا. الفارق الجوهري هنا إن أمريكا في القرن التاسع عشر كانت قوة صاعدة في عالم استعماري تنافسي، بينما هي اليوم قوة مهيمنة متراجعة في نظام دولي يتجه نحو التعددية القطبية. وهذا الاختلاف البنيوي يجعل من التوسّع الحالي عامل استنزاف أكثر منه رافعة للنهضة.
أما داخلياً، فقد عزّز ترامب نزعته السلطوية في الحكم عبر تجاوز صلاحية الكونجرس الدستورية من خلال إعلانه حالة الطوارئ الاقتصادية في البلاد لفرض التعريفات الجمركية، وعدم التبليغ بالهجومات العسكرية على إيران وفنزويلا. كما أقال العديد من المهنيين في المؤسسات السياسية الأمريكية على أساس أيديولوجي واستبدلهم بموالين له. كما تجاهل ترامب القضاء من خلال عدم الامتثال القانوني، والهجوم الخطابي على القضاة، واستهداف المحامين المعارضين. وعلى الرغم من نجاح ترامب في مسعاه السلطوي هذا، قامت معارضة شديدة حددت من ديمومة هذه النجاحات. فقد تظاهر الملايين من الأمريكان في احتجاجات "كلا للملوك" ضد نزوع ترامب نحو الدكتاتورية، وانخفضت شعبيته الى مستويات أدنى منها في ولايته الأولى أو حتى ولاية سلفه جو بايدن في ظل تزايد القلق الشعبي من الوضع الاقتصادي المتردي، ما يهدد بخسارة الحزب الجمهوري الموالي لترامب في انتخابات التجديد النصفي هذه السنة.
غير إن الخطر الأكبر لا يكمن في هذه الممارسات بحد ذاتها، بل في تفاعلها مع الانقسام الهوياتي العميق داخل المجتمع الأمريكي اليوم. فالتيار القومي المسيحي الأبيض يبرز كالممثل الشرعي الوحيد للأمة الأمريكية، عادّاً الهجرة، والتعددية الثقافية، والعولمة تهديداً وجودياً. فقد شرعت إدارة ترامب الثانية بتنفيذ سياسة داخلية تصعيدية تضمنت انشاء وكالة فيدرالية جديدة (ICE) بميزانية فلكية تسعى لترحيل 15-20 مليون مهاجر تراهم غير شرعيين، مع إلغاء سياسات كانت تدعم التنوع المجتمعي، بالإضافة الى استخدام الجيش أو الحرس الوطني داخل المدن الكبرى لترحيل المهاجرين او لقمع المعارضة الشعبية الناتجة عن ذلك. في المقابل يرى المعسكر العلماني التعددي المعارض إن إدارة ترامب تمثل تحولاً غير دستوري نحو السلطوية العرقية، وإن أمريكا هي تاريخياً بلد للمهاجرين يجمعهم النظام الديمقراطي بحماية الدستور الأمريكي، وليست بهوية دينية أو عرقية محددة. فيقاوم العلمانيون التعدديون هذه السياسة من خلال الاحتجاجات الشعبية، وعبر الصدام بين السلطات الفيدرالية وبعض الولايات التي سعت الى مناهضة جهود إنفاذ قوانين الهجرة الفيدرالية من خلال مبادرة "مدن الملاذ الآمن" عبر سنّ سياسات وقوانين محلية تقيّد التعاون مع السلطات الفيدرالية.
ومع تزامن هذا الانقسام مع الضغوط الاقتصادية والتصعيد الخارجي الناتج عن التحولات الاستراتيجية لإدارة ترامب، تتزايد مخاطر تحوّل الأزمة الداخلية إلى أزمة بنيوية متفجرة. فاللجوء الى العنف المتبادل أخذ يتزايد عبر حادثة اغتيال الناشط المسيحي القومي شارلي كيرك، مقابل قتل أحد ضباط ICE لناشطة أمريكية كانت تراقب عمليات إنفاذ قوانين الهجرة، بينما يتلاشى دور الكونجرس الأمريكي ومؤسساته الديمقراطية في محاولة تخفيف أو ادارة هذه الأزمة. كل ذلك يجعل من هذا الصراع الداخلي الأمريكي المتفاقم، معركة وجود من أجل البقاء بمحصلة صفرية: ففريق ترامب يحارب لاستعادة الإرث المقدس لبناء نهضة أمريكا مجدداً كما فعل ذلك الأجداد القوميون المسيحيون البيض، بينما يقاوم الطرف الآخر للحفاظ على الواقع الديمقراطي التعددي لأمريكا، متصوراً إن بالإمكان الحفاظ على أمريكا كقوة عالمية عظمى مؤثرة إذا ما عولجت أمراضها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
لكن حتى في السيناريو الأكثر تفاؤلاً، إذا نجحت إدارة ترامب في تحقيق مكاسب صناعية محدودة في قطاعات مثل الطاقة أو الدفاع، فإن هذا النجاح سيبقى جزئياً وغير قابل للتعميم. فالنهضة الصناعية في القرن التاسع عشر قامت على أرضية اجتماعية وسياسية مستقرة نسبياً، وعلى اقتصاد في طور الصعود، بينما يعمل مشروع ترامب في بيئة تتآكل فيها الثقة بالمؤسسات، ويتعمق فيها الانقسام المجتمعي. هنا يبرز التناقض الجوهري في المشروع الترامبي: محاولة إحياء نموذج اقتصادي تاريخي، في الوقت الذي تُقوَّض فيه الشروط السياسية والاجتماعية التي جعلت ذلك النموذج ممكناً. فالرسوم الجمركية وإعادة التصنيع لا يمكن أن تنتج نهضة في ظل تفكك العقد الاجتماعي، وتآكل المؤسسات، وتصاعد الصراع الهوياتي.
موضوعياً، يبدو إن من المتعذر لترامب أن ينجح في جعل أمريكا "عظيمة مجدداً"، لا بسبب نقص الإرادة السياسية، بل بسبب اختلال الشروط البنيوية اللازمة لأي نهضة تاريخية. فالمشكلة الأمريكية اليوم أعمق من أن تُحل بأدوات القرن التاسع عشر، وأعقد من أن تُدار بمنطق الصفقات والضغط. وبينما قد ينجح ترامب في إحداث تحولات تكتيكية قصيرة المدى، فإن مشروعه، بصيغته الحالية، يُسرّع من تآكل الأسس السياسية والاجتماعية التي قامت عليها القوة الأمريكية، بدل أن يعيد بناءها.









