طالب عبد العزيز
المنقلب الذي حدث في شرق سوريا زلزال جغرافي انتهي لصالح دمشق وحكومة الشرع، لكنه زلزال قائم على الحدود العراقية السورية، فالشرع رجل لا يمكنه الجام المجاميع المسلحة المتشددة، ولنا في مدن الساحل اسوة، وكل التطمينات السورية الحكومية لا تعني شيئاً إزاء ما يحتدم بين الفريقين، الفصائل المسلحة العراقية التي قاتلت هؤلاء في الغربية والموصل لم تعمل على حسم الخلاف الطائفي القائم منذ مئات السنين، هناك خطاب متبادل بين الفريقين يستعيد علياً ومعاوية في أكثر من مناسبة، وبمعنى ما؛ لم يعمل الفريقان بشعور الوطن والدفاع عنه، أو تحت مظلة الدبلوماسية وحسن الجوار والدين والعروبة ووو إنما توقف القتال؛ وتحررت المدن العراقية؛ بهزيمة منكرة للجماعات الداعشية، التي كانت تعمل في شرق سوريا، وهذا يعني أيضاً أنَّ احتقانا طائفياً يتضاعف ولم يتم إخراج قيحه بعد.
فكرة دمشق ومعاوية وبغداد وعلي؛ التي يروّج لها بعض الساسة العراقيين في مناسبة وغير مناسبة؛ دعت الكثير من أتباع أحمد الشرع، غير المقتنعين بخطابه(الوطني) الى الرد بالمثل، والتهديد عبر وسائط التواصل بعبور الفرات العراقي، وبين هذه وتلك يعظم شأن الاحتقان، الذي منه توسعة الشق بين الشعبين، واستلال مادة الحروب. في أكثر من مناسبة كان السيد المالكي وكثير معه وضمن خطاب الاستقواء بالأكثرية؛ بغية الحصول على كرسي رئاسة الوزراء يعمدون الى مقولة بغداد علي ودمشق معاوية، الجملة التي تحمل في طياتها تأريخاً طويلاً من الاضطغان والحروب والدماء. استلال الماضي بهذه الطريقة وتقديمه على الحاضر، لا يخدم مصلحة البلدين، هناك عشرات المشتركات الجميلة بين دمشق وبغداد، ومعظمها لا تعتمد مادة التاريخ المحتدم والإسلام والمذهب، فلتكن الانساب واللغة والشعر والفنون ما نستبدله بها.
ما يندفع تحت لوائه المتشددون الإسلاميون في شرق سوريا لن يقابل إلا بما ينطوي عليه رجال الحشد الشعبي والقوات الامنية، وإذا كان المقاتلون السوريون مندفعين الآن بنشوة النصر، التي تحققت علي قسد وأنصارهم فأنَّ ذلك لا يعني بأنَّ المقاتلين العراقيين غافلون عن ذلك، ونشوة الانتصار على داعش في 2014 ماتزال بطعمها ذاك. نار الفتنة التي توقد بخطاب طائفي في دمشق وبغداد يجب أن تخمد بماء البناء وإهمال الماضي والمشتركات الإنسانية والعربية بين الشعبين. لكنَّ ذلك لن يتحقق إلا بصمت الساسة والزعامات المسلحة. ما يوقده هؤلاء لن ينعموا بدفئه في الغد. إذا كان اغراء كرسي الرئاسة لا يأتي إلا بالتأجيج الطائفي فبئس الكرسي هذا، وإذا كانت نشوة الانتصار في دمشق لا تتحقق إلا باستعداء العراقيين فبئس الانتصار ذاك.
ما يخطط له الامريكان والأتراك والصهاينة أكبر مما تضيق به صدورنا، نحن في دمشق وبغداد، فالمؤامرة لم تعد وعداً أو تصوراً نتحسسه في خطاب هذا وذاك، إنما هي واقع يتحقق ساعة اثر أخرى، وهي أخطر من ضغائننا التي تحركها صفحات التاريخ، فحاضرنا مهدد ومستقبل أبنائنا بيد الغيب.التهديد باسقاط حكومة بغداد لا يسترجع الجولان، ولا يمنع الطائرات الإسرائيلية من التحليق فوق دمشق، كما أنَّ عبور المقاتلين العراقيين نهر الفرات لا يسقط دمشق، ولا يهدد إسرائيل، فقد قضي الامر، نحن في قارب واحد، يتهددنا عدو واحد، وأمريكا لعبت على حبالنا جميعاً.









