TOP

جريدة المدى > عام > الـهـويـّة الـوطـنـيـّة: صراعٌ آيديولوجيٌّ أم ضرورة وجوديّة؟

الـهـويـّة الـوطـنـيـّة: صراعٌ آيديولوجيٌّ أم ضرورة وجوديّة؟

قراءة في أحدث كتب الدكتور عبد الجبّار الرفاعي

نشر في: 21 يناير, 2026: 12:03 ص

لطفيّة الدليمي
ليست مهمّة ميسّرةً أن يتناول المرءُ منّا كتاباً جديداً للدكتور عبد الجبار الرفاعي خارج سياق مشروعه الفكري الممتد؛ فالرجلُ لا يكتبُ كتباً منفصلة في موضوعاتها؛ بل ينسجُ نصوصه داخل أفق معرفي واحد، يتطوّر ويتحوّل، دون أن يتنكّر لجذوره الأولى. ما يميّزُ الرّفاعي في مساره الفكري خلال العقديْن الأخيرين هو مغادرته الواضحة لمنطقة (الأسلمة الثقافيّة)، وانتقالُهُ المتدرّج نحو فضاء أرحب، يشتغلُ على تفكيك الأنساق الثقافية والدينية والسياسية المتشابكة، وتحليل شروط إنتاج المعنى في المجتمعات العربية والإسلامية المعاصرة.
الرّفاعي، بوصفه باحثاً متخصصاً في فلسفة علوم الدين، لم يَعُدْ معنيّاً بإعادة إنتاج خطاب الوعظ أو الدفاع العقائدي أو المناظرات الفقهيّة أو الكلاميّة الكلاسيكيّة، بل بات ينهمِكُ في مساءلة العلاقة المعقّدة بين الدين، والسلطة، والهوية، والحداثة، والإنسان. صار يتعامل مع الموضوعة الدينيّة الإسلاميّة من بوّابة الأنساق الثقافيّة، وهذا ما تكشفه بوضوح كتبُهُ الأخيرة، التي تتقدّمُ خطوة بعد أخرى نحو تحرير الدين من سطوة الأدلجة القاسية، لا من خلال القطيعة بل عبر النقد المعرفي الهادئ، العميق، والمستند إلى علوم الإنسان الحديثة.
في هذا السياق، يأتي كتابه الجديد (الهوية في شِراك الأيديولوجيا) المنشور في (تموز/يوليو 2025)، بوصفه نصّاً إشكاليّاً بالمعنى الطيّب للإشكاليّة، يضعُ إصبعَهُ على واحدةٍ من أكثر القضايا حساسية في واقعنا العربي: سؤال الهوية، في الإطار الفلسفيّ العام وكذلك في نطاق الهويّة الوطنيّة. ليس من حاجة للقول أنّ سؤال الهوية الوطنيّة واحدٌ من أكثر الأسئلة المفصليّة المؤثرة في الحياة العراقيّة، حيثُ شهدنا وعشنا كيف يختّزّلُ هذا السؤال، ويُسيّسُ، ويُستعمَلُ وقوداً للصراعات الطائفيّة أو العرقيّة، بدلاً من أن يكون إطاراً جامعاً للحياة المشتركة.
الهوية: لماذا الآن؟
ليست الهوية موضوعاً فكريّاً تجريديّاً يستوطنُ المثابات المغلقة، ولا ترفاً ثقافيّاً يمكن تأجيلُهُ. إنّها مسألةٌ شديدةٌ الحساسية والأهمية، لا سيّما حين تُطرَحُ اليوم من قبل باحث في فلسفة الدين، في زمن تتعاظمُ فيه محاولاتُ توظيف الدين ذريعةً لسياسات عابرة للحدود الوطنية، تتغذّى على تفكيك الدول، وإضعاف مفهوم المواطنة، واستبدال الإنتماء الوطني بهويات طائفية أو عرقية أو آيديولوجية مغلقة.
ينطلق الرّفاعي من إدراكٍ براغماتي وأخلاقي في آن واحد: البراغماتيُّ يتمثّلُ في أنّ الهوية الوطنية ليست شعاراً بل شرطٌ من شروط جودة الحياة وطيب المعيش داخل الجغرافيا المسمّاة وطناً. دعونا نتصوّرْ ما الذي سيحدثُ مع أيّ محاولة للقفز على الهوية الوطنيّة، أو تهميشها، أو استبدالها بهويات فوق-وطنية (عابرة للوطنية) أو ما دون-وطنية؟ ستقترن بالضرورة بأشكال من العمل السياسي السيئ، والمضاد لمصالح المجتمع والدولة معاً. العيش المشترك للمواطنين لا يقوم على الفراغ، ولا على شعارات إنسانية عامّة، بل على رابطة عملية تنظّمُ علاقة المواطنين ببعضهم، وتمنحهُمْ شعوراً بالإنتماء إلى مصير واحد. نتذكّرُ في هذا المقام أنّ بعض المتأسلمين يُشكِلون على الهوية الوطنية العراقيّة ويرونها بعض انعكاس لجاهليّة لا تتفقُ مع شروط الإسلام الصحيح. هذه أدلجة إسلاميّةٌ خطيرة ومؤذية، وأظنّها كانت الدافع الأساسيّ الذي كتب الدكتور الرفاعي كتابه هذا من أجل تفنيدها ونقدها المُرّ لأنّها ستتخذُ من الإسلام وسيلة لتفكيك بلد ذي أرث مميز كالعراق. ثمّة وجهٌ آخر من أوجه النقد يرى في الهوية الوطنية معالم رمزية أو ميتافيزيقية. وماذا في ذلك؟ هل أن روح العصر Zeitgeist-التي عدّها الآباء المؤسسون الألمان جوهراً أساسيّاً للدولة الحديثة- تخلو من القيمة الميتافيزيقيّة؟ الجوهري في الأمر أن تظلّ الهوية الوطنية -وكذلك روح العصر- خاصية وظيفية لا غنى عنها لتأسيس جماعة سياسية قابلة للحياة، ندعوها شعباً يعيشُ في وطن بجغرافيا محدّدة.
هذا لا يتناقض بالطبع مع عولمة الحس الإنساني، ولا مع التشارك البشري في القيم والمعضلات الوجودية. من العبث الخالص خلطُ المفاهيم والأفكار بعضاً ببعض. العالَمُ حتى اليوم لم يُنْتِجْ نموذج (المواطن العالمي Global Citizen) المُجرّد من توصيفاته الوطنية. العولمة لم تُخلَقْ لتكون بديلاً عن الدولة الوطنيّة بل لحسابات تعظيم أرباح الشركات العملاقة، وها هي اليوم تشهد إنحساراً كبيراً بعد أن إستوفت أغراضها. لم تزل الدولة الوطنية، بكلّ عيوبها، هي الإطار الواقعي الوحيد لضمان الحقوق، وتنظيم الواجبات، وحماية الكرامة الإنسانية.
*****
يمكن تبويب فصول الكتاب، على نحو واضح، في ثلاث مجموعات مترابطة:
أولاً: تشكّلُ الهوية الوطنية وإشكالياتُها
في هذه المجموعة، يتناول الرفاعي الأساس النظريّ لمسألة الهوية بوصفها صيرورة تاريخية لا جوهراً ثابتاً. يناقش تشكّل الهوية الوطنية في سياق التحوّلات السياسية والإجتماعية، ويكشفُ كيف تتعرّضُ هذه الهوية للإختطاف حين تُسحَبُ من حقلها المدنيّ وتُزجّ في صراعات الآيديولوجيا. تضمّ هذه المجموعة الفصول الأربعة الأولى التي تتناولُ موضوعات: الهوية في حالة صيرورة وتشكّل، الهوية الوطنية في شِراك الآيديولوجيا، هوية الإنسان السياسية بوصفه مواطناً، مخاض تشكّل هوية وطنية عراقية.
ثانياً: نقد الهوية المغلقة
وهي القلب النقدي للكتاب، حيث يقدّم الرفاعي تفكيكاً معمّقاً لما يسميه (الهوية المغلقة Closed Identity)، تلك الهويّة التي تتلاعب بالذاكرة، وتوظّفُ المعرفة، وتجهِضُ الفلسفة، وتبرّر انتهاك الكرامة والحرية بإسم الحق المطلق. هنا، لا يهاجمُ الرفاعي الهويّات الفرعية بذاتها بل ينتقد تحوّلها إلى أدوات إقصاء حين تُقدَّمُ على الوطن، وتُستعمَلُ لإلغاء مبدأ المواطنة المتكافئة. تضمّ هذه المجموعة الفصول الستّة التي تلي المجموعة الأولى، وتتناولُ موضوعات: الهوية المغلقة والمعارك على الماضي، الهوية المغلقة والعنصرية، الهوية المغلقة تتلاعب بالذاكرة، الهوية المغلقة تتلاعب بالمعرفة، الهوية المغلقة تجهِضُ الفلسفة، الهوية المغلقة والحق في الكرامة والحرية.
ثالثًا: الهوية في العصر الرقمي
في هذه الفصول، ينتقل الكتاب إلى رصد تحوّلات الهوية في ظل الثورة الرقمية، واغتراب الإنسان المعاصر، وتبدّل أنماط الإنتماء بما يفرضُ تحدّياتٍ جديدة على الدولة، والمجتمع، والثقافة.
يتناولُ الرفاعي في فصول ثلاثة أخيرة من الكتاب موضوعة مستجدّة يتوجّبُ إغناؤها ببحوث معمّقة: العالم الرقمي وتأثيراته المتوقّعة في إعادة تشكيل الهويّة الوطنيّة. يتناول الرفاعي موضوعات: هويّة جيل الألفيّة الجديدة الرقمية، الهويّة في العصر الرقمي، إغترابُ الهويّة في العصر الرقميّ. هنا ينتقلُ السؤال المركزي من (كيف تؤدلجُ الهويّة؟) إلى (كيف تعادُ صياغة الهويّة رقميّاً؟). يلاحظ الرفاعيّ أنّ الأجيال الجديدة تتشكّلُ هويّاتها في فضاء رقميّ عابر للجغرافيا، حيث تتداخلُ الثقافةُ والإستهلاك والخوارزميّات، ومنصّات التواصل. لا يعني ذلك اختفاء الهوية الوطنيّة بل تعرّضها لأشكال جديدة من الإغتراب؛ حيثُ يُستبدَلُ الإنتماءُ العميق بتفاعلات سريعة، وصور رمزيّة، وولاءات عاطفيّة عابرة.
العراق بوصفه جرحاً مكشوفاً
تكتسب أطروحات الكتاب كثافة إضافية حين تُقرأ على ضوء التجربة العراقية. العراق، خلال العقود الأخيرة، قدّم نموذجاً صارخاً للكيفيّة التي يمكنُ بها تفكيكُ الهوية الوطنية عبر الطائفية السياسية، واستدعاء المظلومية وتوظيفها في المجال العام سياسيّاً وإقتصاديّاً، وتسليع الذاكرة عبر استثمارها في مراهنات مجتمعيّة مؤذية، وتحويل الوطن إلى غنيمة تتقاسمُها الجماعاتُ المتصارعة.
لم يعد (العراق) حاضراً بوصفه رمزاً جامعاً في الوعي اليومي، ولا في الخطاب السياسي والإعلامي، بل تراجع لصالح هويات فرعية، تتغذّى على الخوف، وتنتعشُ في ظلّ هشاشة الدولة، وهو ما يجعل كتاب الرّفاعي، وإن لم يكن كتاباً سياسيّاً يعتمدُ الخطاب المباشر، أقرب لقراءة ثقافية عميقة لأزمة سياسية واجتماعية لم تُحلّ بعدُ.
الهوية الوطنية والمواطنة
يؤكدُ الكتاب أنّ الهوية الوطنية لا تستقيم دون المواطنة، ولا معنى للمواطنة دون مساواة كاملة في الحقوق والواجبات؛ فحين يُنتقَصُ من حقوق المواطن بسبب دينه أو مذهبه أو قوميته تنهارُ فكرة الوطن ذاتها، ويتحوّل إلى كيان هشّ، قابل للتفكّك، وقريباً من مشروع وصفة جاهزة للإقتتال المجتمعي.
الهوية الوطنية، حين تكون هي النصاب الجامع، تصبح ضامناً للعيش المشترك، وشرطاً للسلم الأهلي. أما حين يُستبدَلُ هذا النصابُ بهوية دينية أو عرقية أو مذهبية، فإن النتيجة تكون تمزيق النسيج الإجتماعي، وشرعنة الإقصاء، وتحويل الدولة إلى أداة بيد الغالبين.
خاتمة: نداء إلى الجيل الجديد
لن يخفى على القارئ أنّ الدكتور الرفاعي كتب هذا الكتاب بنبرة وجدانيّة أشدّ وطأة ممّا فعل في كتبه السابقة، وهو لم يسعَ لإخفاء هذه النبرة لأنّ ضميره المتألّم من واقع الحال العراقي الراهن هو ما أملى عليه ضرورة كتابة هذا الكتاب. يبلغ الرفاعيّ ذروته الوجدانية والفكرية في خاتمة مقدّمته للكتاب، حيث يوجّه نداءً عاطفيّاً مباشراً إلى الجيل الجديد، وقد تجاوز في ندائه هذا المقاربة التنظيريّة واستبدلها بلغة الخطاب الأخلاقي المسؤول:
" أوصي الأبناء من الجيل الجديد: افتخروا بوطنكم العراق… العراق ليس مجرد أرض نعيش فوقها، بل كيان يسكن فينا كما نسكنه… الإنتماء إلى العراق لا ينبغي أن يكون شعاراً، بل شعورًا يتغلغل في الضمير… لا تخلطوا في وعيكم بين العراق الوطن الذي لا يموت، وبين ما مارستْهُ الأنظمة السياسية من استبداد وفساد… العراق أسبقُ من كل نظام، وأبقى من كل حاكم، وأرسخُ من كل سلطة لا تصدرُ عن إرادة العراقيين ولا تتجذّر في شعورهم الوطني."
بهذا النداء، المكلّل بنبرة وطنيّة حماسيّة مؤثرة ومطلوبة كتذكرة للأجيال الجديدة، يختتم الرفاعي كتابه لا بوصفه باحثاً فحسب بل مثقفاً إنسانيّاً وأخلاقيّاً، يدرك أنّ إنقاذ الهوية الوطنية مسؤولية تاريخية، تبدأ من الوعي، ولا تنتهي إلا ببناء دولة المُواطنة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

الذهب يقفز إلى مستوى قياسي فوق 4800 دولار للأونصة

تأجيل الحسم.. هل خشي الإطار «رسالة استفزاز» من بغداد إلى دمشق؟

هيئة الاستثمار: حجم الاستثمارات بلغ أكثر من 102 مليار دولار

البصرة بلا ميزان حمولة.. سائقو القلابات يحتجون على الغرامات والفوضى

خبراء: من غير المرجح عودة المالكي لولاية ثالثة

ملحق منارات

الأكثر قراءة

عثمانُ الموصليّ

موسيقى الاحد: موتسارت الاعجوبة

رواية (كولخوز) الفائزة بجائزة ميديسيس لعام 2025: ملحمة عائلية آسرة، وتكريم رائع لوالدة الكاتب

بروتريه: حسين مردان.. بودلير العصر

تخوم الشعر والتشكيل

مقالات ذات صلة

الـهـويـّة الـوطـنـيـّة: صراعٌ آيديولوجيٌّ أم ضرورة وجوديّة؟
عام

الـهـويـّة الـوطـنـيـّة: صراعٌ آيديولوجيٌّ أم ضرورة وجوديّة؟

لطفيّة الدليمي ليست مهمّة ميسّرةً أن يتناول المرءُ منّا كتاباً جديداً للدكتور عبد الجبار الرفاعي خارج سياق مشروعه الفكري الممتد؛ فالرجلُ لا يكتبُ كتباً منفصلة في موضوعاتها؛ بل ينسجُ نصوصه داخل أفق معرفي واحد،...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram