د. طلال ناظم الزهيري
الفشل في العراق لم يعد حادثاً عابراً أو نتيجة سوء تقدير فردي، بل صار منتجاً مقصوداً، يُصنع بعناية وبعقلية استراتيجية. فكما يُصنع النجاح بخطط وأهداف واضحة، يُصنع الفشل بأدوات دقيقة وقرارات مدروسة، وكل من يساهم فيه يرى نفسه في تصوراته ناجحاً، حتى لو كان المجتمع بأسره هو الضحية.
الحكومات العراقية المتعاقبة لم تتعلم من أخطاء بعضها البعض، بل على العكس، يبدو أنها تورّث الفشل عمداً إرث ثقيل من القرارات الفاشلة والموازنات المختلة، يُسلم إلى الحكومة التالية وكأنه عبء مُهيأ لإخفاق أي خطة إصلاحية. وفي هذه الحلقة المفرغة، أصبح المواطن البسيط هو الحلقة الأضعف، الهدف الأسهل لضرب الاستقرار الاجتماعي. فخلال سنوات الوفرة المالية، جرى منح امتيازات فئوية غير مبررة رواتب مضاعفة، قطع أراضٍ، امتيازات صحية وتعليمية، وفوائد مالية مستمرة لفئات معينة، بينما تُهمل بقية شرائح المجتمع. الغرض الحقيقي من هذه الامتيازات كان ضمان الولاءات الانتخابية وشراء الدعم السياسي للطرف أو القائد الذي يقدم أكثر من غيره، لا خدمة للمصلحة العامة أو العدالة الاجتماعية. هذه السياسة لم تُخلق العدالة، بل ولدت فجوات اجتماعية هائلة، وأصبحت الامتيازات، بدلاً من أن تكون حافزاً، أداة لزرع الكراهية بين الفئات، حيث يرى كل موظف أن الآخر يحصل على ما هو غير مستحق، ويشعر بالغبن والظلم. أما الأكثر خطورة فهو تصنيف المجتمع إلى طوائف وعرقيات. هذا التصنيف لم يعزز الوحدة الوطنية فحسب، بل ساهم بشكل مباشر في ترسيخ ثقافة الدفاع الأعمى عن قادة الفئة مهما كانت أخطاءهم باعتباره دفاعاً عن الهوية الطائفية أو العرقية. في المشهد العراقي اليوم، كل فئة تدافع عن أخطاء قياداتها كما لو كانت مسألة وجود، وتبرر القرار الفاشل تحت شعار الاعتبارات الطائفية والعرقية، مما يجعل أي نقد داخلي أشبه بالتخوين أو ضياع للمكاسب. واليوم، ومع ظهور بوادر الأزمة المالية، نجد أن الإجراءات الحكومية تستهدف دائماً الحلقة الأضعف الموظف الذي بنى حياته على راتبه الشهري، والذي لا دخل له في صناعة القرار أو الاستفادة من الامتيازات الكبرى. أي تخفيض له هو صدمة حقيقية، واضطراب في الحياة اليومية، بينما تبقى الفئات الحاصلة على الامتيازات الكبرى محمية، غير مكترثة، وكأن الدولة تفضل أن تدفع من الأقل استعداداً لتحمل العبء، بدلاً من معالجة جذور المشكلة.
إنها مفارقة مريرة أي امتياز يحصل عليه المواطن يصبح حقاً لا يمكن المساس به، بغض النظر عن استحقاقه، بينما الفشل يُترك دون مساءلة. هذا الواقع ليس صدفة، بل نتاج قرار واعٍ وسياسة فئوية متعمدة، تؤكد أن صناعة الفشل في العراق أصبحت فنّاً حكومياً يمارس بلا خجل، ويورّث من جيل إلى جيل. والأمر لا يقتصر على الموظفين العاديين، بل يشمل السلطة التنفيذية والتشريعية نفسها. فوزراء ونواب العراق يحصلون على رواتب ومخصصات ضخمة تشمل الضيافة والحماية والسكن من غير الامتيازات الاخرى، تجعل مجموع ما يحصلون عليه يفوق بكثير ما يحصل عليه نظراؤهم في الدول الإقليمية، رغم ضعف الإنتاجية والخدمة العامة. ما يعكس فجوة غير عادلة بين المواطن العادي ومن يشغلون المناصب العليا، ويزيد شعور العامة بالغبن والاحتقان. المطلوب اليوم هو الاعتراف بأن الفشل صناعة بشرية، وأن السياسات المتراكمة، التي تمنح الامتيازات دون رؤية عادلة أو قدرة مالية مستدامة، هي سبب كل أزمة. فلا إصلاح حقيقي يمكن أن يتم قبل هذه الجرأة على الاعتراف. فكما صُنع الفشل، يمكن أيضاً إذا وُجدت إرادة صادقة أن يُصنع الإصلاح، ويُعاد توزيع العدالة الاجتماعية قبل أن تتحول الانقسامات إلى صراع دائم لا مفر منه.
فمع إدراك أن صناعة الفشل في العراق كانت متعمدة ومستمرة، فإن الطريق نحو الإصلاح يبدأ بخطوتين أساسيتين تبدأ بالاعتراف بالخطأ وتحديد المسؤوليات. يجب أن يُعترف علناً بأن السياسات الفئوية، والمكاسب الانتخابية، وتصنيف المجتمع على أسس طائفية وعرقية، هي عوامل مركزية أدت إلى استنزاف الموارد، وزرع الانقسامات، وتعطيل العدالة الاجتماعية. بدون هذه الجرأة على الاعتراف، سيظل أي إصلاح شكلي وفاشل.
بعد ذلك، ينبغي وضع خطة إصلاحية شاملة تتضمن:
1 - إعادة هيكلة توزيع الامتيازات لتكون محددة، مستحقة، ومعلنة بشفافية، مع قطع الامتيازات غير المبررة وإلغاء أي تفاضل فئوي.
2 - ربط أي زيادة مالية أو امتياز بخدمة فعلية ومحددة للمواطنين، وليس بالموقع السياسي أو الولاءات الطائفية، بما يقلل فجوة الغبن بين المواطنين.
3 - إعادة النظر في مخصصات الرئاسات والوزراء والنواب والفئات العليا، لتكون متناسبة مع نظرائهم في الدول الإقليمية، وضمان أن أي موارد إضافية تذهب لتحسين الخدمات العامة وليس لمكاسب فردية.
4-محاسبة المسؤولين عن القرارات الفاشلة ليس العقاب وحده، بل توجيه تجربة الماضي لتصحيح السياسات المستقبلية، وكسر دورة الفشل التي ورثتها كل حكومة عن سابقتها.
5-تعزيز ثقافة المواطنة الجامعة و الابتعاد عن سياسات الطائفية والعرقية في التوظيف والامتيازات، وتشجيع مشروع وطني يربط الانتماء بالخدمة العامة والإنتاجية وليس بالهوية أو الولاء السياسي.
بهذه الرؤية، يمكن أن يتحول العراق من حالة صناعة الفشل المقصودة إلى مرحلة جديدة من الإصلاح المؤسسي والعدالة الاجتماعية. فكما صُنع الفشل بخطط واعية، يمكن أيضاً صناعة نجاح مستدام، يبدأ بالشفافية، ويستند إلى القانون، ويضع المواطن في قلب كل قرار، بعيداً عن الحسابات الانتخابية الضيقة والانقسامات الفئوية التي أنهكت الدولة والمجتمع لعقود.










