بغداد/ علي الدليمي
زينت أروقة قاعة "أيقونة للفنون"، بلوحات المعرض الشخصي الثاني عشر للفنان التشكيلي إياد الزبيدي، تحت عنوان "غواية".
المعرض الذي شهد حضوراً أكاديمياً وفنياً لافتاً، لم يكن مجرد عرض لمهارات تقنية، بل كان تجسيداً لمشروع فكري يسعى لتفكيك جدلية "الاستثمار في تعليم الطفولة" المبكرن والبناء الأخلاقي للإنسان في ظل عالم مشحون بالصراعات الوجودية.
قدم الزبيدي في هذا المعرض عصارة تجربته الأخيرة، التي بدت للمتلقي للوهلة الأولى كمزيج متعدد من الأساليب والتقنيات المتنوعة، إلا أنها في جوهرها تمثل مراحل متسلسلة تهدف لإيصال رسالة إنسانية وأخلاقية سامية.
في "غواية"، يذهب الزبيدي بعيداً في استخدام الرموز التي تتأرجح بين السريالية الحادة والتعبيرية القوية. فهو لا يقدم فنا للمتعة البصرية المجردة، والزينة، بل يقدم "بيانا تربويا" بصيغة تشكيلية. إن القراءة المتفحصة لمجمل معرضه تكشف عن عمق اشتغاله على ثنائية (البراءة/ المصير). تتميز لوحات المعرض بسيطرة واضحة على "الدراما اللونية". هناك تضاد مدروس بين الألوان الدافئة والباردة، مما يعكس الصراع بين الفطرة السليمة والمؤثرات الخارجية. استخدام التراكم اللوني في بعض المناطق يعطي شعوراً بالثقل الوجودي، وكأن الفنان ينحت الشخصيات والرموز نحتاً ليرسخ فكرة "البناء" التي أشار إليها في فلسفة معرضه.
اللوحات لا تخاطب العين فحسب، بل تستفز الوعي التربوي والاجتماعي عبر ثنائيات بصرية مدهشة:
ثنائية (الكرسي والجسد الناقص): يبرز "الكرسي" في مجمل أعمال المعرض كأيقونة للسلطة أو الاستقرار، لكنه عند الزبيدي يتحول إلى منصة للغياب. نرى شخصيات ببدلات رسمية أنيقة لكنها "بلا رؤوس" أو برؤوس كائنات أخرى (مثل الغراب)، مما يشير إلى أزمة الهوية وفقدان التوجيه التربوي السليم الذي حذر منه الفنان.
إن الجسد المسلوب الرأس هو استعارة للنمو المادي الذي يفتقر للنمو الفكري والأخلاقي. رمزية "الغراب" و"الخزنة"، يظهر الغراب في فضاءات مشحونة، ليمثل قلق المصير أو الرقيب الغامض، بينما تقبع "الخزنة" الحديدية فوق كرسي وثارة وسط صحراء قاحلة، في إشارة قوية إلى "غواية" المادة وتغليب القيم الاستهلاكية على حساب بناء الإنسان (الطفل). صراع الديكة والثيران، يطعم الزبيدي لوحاته بمشاهد صراع غريزي (الديكة، الثيران) تحت نظر كراسي فارغة أو شخصيات مغيبة، ليؤكد أن غياب البناء التربوي المتين يترك الساحة لصراع الغرائز البدائية.
إن اختيار عنوان "غواية" يمثل ذكاءً نقدياً، فهي ليست غواية السقوط، بل غواية الفن التي تجذب المتلقي ليتأمل في "البناء الأخلاقي" المتعثر.
الفنان إياد الزبيدي من مواليد بابل 1960، حاصل على شهادة الماجستير في الرسم من كلية الفنون الجميلة بجامعة بابل. له بصمة واضحة في المشهد التشكيلي العراقي عبر مشاركات واسعة في معارض دائرة الفنون التشكيلية وجمعية الفنانين التشكيليين، محلياً ودولياً، مما جعله صوتاً متميزاً يمزج بين الأكاديمية والرؤية الحداثوية.









