TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > العمود الثامن: مئوية سليم البصري ومحنتنا

العمود الثامن: مئوية سليم البصري ومحنتنا

نشر في: 22 يناير, 2026: 12:06 ص

 علي حسين

في كل مرة وأنا أشاهد السباق اللاهث من مسلسلات درامية مضحكة وساذجة في نفس الوقت ، أتذكر الرجل النحيل بكتفيه الهزيلتين وهو يطل من الشاشة الصغيرة بلا فذلكات ولا خطب ، ولا صرخات تجلب الهم بدلاً من الضحك .
لم يكن سليم البصري الشهير بـ " الحاج راضي " والذي يصادف هذا العام مرور مئة عام على ميلاده ، يحلم في أن يصبح النجم الأول، فقد كانت النجومية تعني خشونة في الصوت والوسامة والشباب، لكن صاحبنا، الذي جاء إلى التمثيل من كلية الآداب ، حلم ذات يوم أن يصبح مثل يوسف وهبي ، لكنه ما أنْ صعد على خشبة المسرح أول مرة وأخذ يصرخ " يا للهول " مُقلداً حركات الفنان المصري الشهير ، حتى اكتشف أن ما قمه به لم يكن تمثيلاً، وسيكتب ذات يوم إنه مدين بمكانته وحب الناس له لممثل عظيم هو يوسف وهبي لأنه لم يستطع تقليده ، كان صاحبنا أقرب إلى وجوه الموظفين البسطاء ، لكنه استطاع ان يذهل المشاهد بتلقائيته التي كانت تُخفي وراءها طاقة تمثيلية هائلة، فقد قرر أن يكون سليم البصري لاغير. لا أقل قليلاً ولا أكثر كثيراً.وقرر أيضاً أن ينسينا نحن المتفرجين أننا نجلس أمام التلفزيون، فأخذنا لنجلس معه،يتحدث فننصت إليه، يُحرك يده فتذهب الانظار باتجاهه، يضحك فتنطلق الضحكات مجلجلة .
نتذكر اليوم سحر سليم البصري ونحن أمام كم هائل من السياسيين الذين ارتدوا اقنعة التمثيل ، فنجد الكثير منهم يخوضون على الفضائيات صراعاً مع الموهبة، صراعاً يقودنا نحن المتفرجين في النهاية الى أن نهرب بعيداً عن برامج " التوك شو " فاقدة اللون والطعم ، ونكتشف كم كان سليم البصري متميزاً، نستعيد ضحكته والصوت الدافئ الذي ينعش القلوب.. نقرأ الفاتحة، سائلين الله أن يرحمه ويرحمنا، فقد حاصرتنا جيوش التفاهة والسخف والابتذال ، مثلما حاصرتنا برامج التوك شو السياسية وهي تُظهر لنا نوابا لم يحصل الواحد منهم خمسمئة صوت لكنه يصر أن ينام على أنفاسنا أربع سنوات، ثم يتقاضى ثمن نومه راتباً تقاعدياً بالعملة الصعبة . وفي اوقات الفراغ يحاول ان يتسلى معنا على تويتر مثلما يفعل هذه الايام الكثير من النواب المتلونيين الذين يتباكون على الاصلاح ويشتمون الفساد ، لكننا ما ان نعود معهم الى الوراء سنجدهم انفسهم اول من مارس النهب وسرقة احلام الناس واموالهم .
يوصي العبقري لورنس أوليفيه أحد الممثلين قائلا : "حتى أبسط الأشياء تحتاج إلى موهبة حقيقية " ، واعتقد ان موهبة بعض نوابنا الاعزاء في تقليد سليم البصري وهو يتهجى عبارة " نحباني للو " خانتهم كالعادة .

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

لعنة الموارد وتزييف الوعي الجمعي

العمود الثامن: قمة الإنسان

واشنطن بوست: من ذاكرة الجمهورية إلى قلق الحاضر

العمود الثامن: دستوركم أعرج

العمود الثامن: لكم ملياراتكم ولنا الحصار!

العمود الثامن: الكتاب "حرام" في الناصرية!!

 علي حسين عندما تقرأ في الأخبار أن القوات الامنية في مدينة الناصرية تمنع اقامة مهرجان للقراءة وتعتقل أحد منظمي المهرجان ، وان الحجة الجاهزة الترويج للبعث ، لان القوات الامنية التي تعجز عن...
علي حسين

باليت المدى: الجمال البسيط

 ستار كاووش في كل المدن والقرى الهولندية تفتتح الأسواق الشعبية الجميلة والمبهجة في عطلة نهاية الأسبوع عادة إضافة الى أوقات أخرى مختلفة من السنة، حيث تنتصب الأكشاك الصغيرة المؤقتة في ساحات مخصصة لهذا...
ستار كاووش

حول أسباب وتداعيات زيادة الرسوم الجمركية في العراق

د. فالح الحمراني وصفت قراءة اقتصادية نشرها معهد الشرق الأوسط في موسكو النزاع حول الرسوم الجمركية في العراق بأنه جزء من نزاع أوسع نطاقًا نجم عن تخبط التخطيط الاقتصادي في البلاد وتجاهل الحكومات المتعاقبة...
د. فالح الحمراني

الدبلوماسية بعد البعث: إرث القمع وفوضى التحول

حسن الجنابي (4ـ 4) سقوط نظام حزب البعث في عام 2003 لم يكن مجرد نهاية لعهد سياسي مستبد، بل صدمة شديدة لبنية الدولة العراقية ومؤسساتها، وخاصة وزارة الخارجية التي كانت تعمل أكثر كأداة في...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram