لطفية الدليمي يشكل الكتّاب أعمالهم من تناقضات الوضع البشري واشتغال الخيال وتأثرات اللاوعي بالمخزون الأسطوري والموروث الحكائي ويصنعون من جميع هذه العناصر رؤيتهم الخاصة للعالم وقد لا تبدو هذه الرؤية الإبداعية مترابطة أو منطقية لدى كثير من القراء ممن لديهم رؤية تقليدية مسبقة عن الأشكال الأدبية والفنية فلا يتقبلون أنواع الخطاب الخارجة على مألوفهم وشروطهم ومن بينها الخطاب النسوي ..
تقول( سوزانا أونيجا ) المتخصصة بالسرديات في دراستها ( مقدمة في علم السرد ) ما يلي : هناك تعريف للأدب بوصفه نظاما وظيفيا ،ومجموعة من الأساليب الفنية تتحدد قيمتها بفضل أساليب فنية أخرى توضع في تعارض معها مثل :الحيل الفنية لأنواع إبداعية أخرى ، وأساليب الماضي والقصة التاريخية ، والرؤية، ولذا فإن عملا أدبيا يتطلب ضمنا أعرافا وأعمالا مختلفة وأساليب مغايرة وأجناسا متنوعة وبنىً أخرى للمعاني تتجاوز العمل نفسه ، و وفق ما تطرحه (أونيجا )تتحدد قيمة العمل وجدواه من تجاوزه لأجناس مألوفة وتخطيه عتبات التجنيس المكرسة والأبنية المألوفة .. يستخدم معظم القراء المعايير التقليدية ذاتها في استجابتهم للعمل الأدبي التقليدي ويطبقون ذلك على العمل الجديد المختلف كونهم نشأوا وترسخت ذائقتهم القرائية على أنموذج النص السائد ذي اللغة والبناء الفني المنضبطين على قياسات ومحددات مسبقة، وبالتالي فإنهم سوف يصدرون أحكاما أيدلوجية و اجتماعية وذوقية استنادا إلى تلك المعايير -على عمل أدبي له افقه التعبيري واشتغاله الحكائي المتمرد ويظهر ذلك بخاصة في تلقيهم الخطاب النسوي الذي تميزه رؤية جندرية للعالم، وقد يعمد قارئ آخر إلى إعادة قراءة النص في محاولة للخروج من سلطة المعايير المهيمنة على أدوات التلقي لديه ، فتبدأ لحظات تأسيس الأفق الجديد لديه وهنا - كما يقول ( ياوس ) – (يحدث التطور الفني حينما يتم - على نحو متواصل- استبعاد ذلك الأفق وتأسيس الأفق الجديد) لعملية التلقي .. لابد للكتاب المختلفين من أن يتوفروا على قدر كبير من التمرد في شخصياتهم ليتسنى لهم تخطي الأفكار المسبقة وما لم يكن الفنان قادراً على تجاوز القوالب والأطر فلن يتمكن منه شغف الإبداع ولا شغف التجريب في النص والحياة معا , الكاتب المتمرد - لا يلتزم بالضرورة - بأي قانون سوى قانون التجريب والخروج على الصيغ السائدة في الكتابة والخطاب الأدبي المنطوي على النزعة الذكورية الحادة - ولا يقدم على خيار التجاوز سوى الشجعان من الكتاب والكاتبات الذين ما عادوا يتأثرون بالمعايير المسبقة او الأفكار السياسية التي اختبروها وتخلوا عنها مثلما تحصنوا روحيا ضد الأحكام العامة ، لسبب بسيط وجوهري هو أنهم يكتبون لمتعة الكتابة وخلق المغاير في العمل الأدبي و يرودون آفاق التجربة منعتقين مما سبق لحظتهم في بحثهم عن مخرج للمأزق الإنساني ، وتمثل الكتابة الروائية ذاتها خروجا من شرنقة الصمت واللامبالاة بالمصير الإنساني فما عادت الرواية تصويرا ممتعا او مؤسيا للواقع وتمجيدا لايدولوجيا معينة كما شاء لها الواقعيون بتأكيدهم على الحبكة والمتن الحكائي والخواتيم المفبركة بل صارت تمثلا لوقائع وتخيلات متشابكة و إعادة صياغتها حكائياً برؤية مغايرة للواقع ... .وفي هذا العصر عصر الحروب الجائحة واستلاب الإنسان وظهور جلادين مرعبين من بين بني البشر،وفي زمن الاغتصاب والهيمنة الأيدلوجية والعسكرية والتشدد - لم تعد روايات الأمس ببنيتها التقليديه ومواعظها الأخلاقية وخطابها الشعبوي ونزعاتها البطرياركية متلائمة مع هذا الزمن المتشظي ، فأفضى ذلك إلى ظهور الرواية التي يمتزج فيها التأمل بالسرد و استخدام الحكي كشكل بنائي كما ظهرت النصوص الروائية التي تتمثل المقاربة النسوية -الجندرية لمواجهة البطرياركية الملازمة لأنساق الحبكة المعروفة ، وهي مالم يتقبله كثير من القراء الخاضعين لشرط التلقي الساكن وحتى الكتّاب الذين لا يقرون بوجود خطابات متعددة في الابداع من الذين غابت عنهم موضوعة الدراسات الجندرية فتعاملوا مع الروايات المكتوبة بحس انثوي وخطاب جندري- على أنها تقع ضمن الأنساق الاستيهامية الخارجة على منظوماتهم المألوفة التي فرضها الخطاب الذكوري.. ونتيجة لماتعرضت له الحياة الإنسانية ولا تزال تتعرض له من انتهاكات تجاوزت كل الحدود كان لابد للفن والأدب من الرد وانتهاك حدود كانت مفروضة على النص من قبل
قناديل:النص بين المقاربة الجندرية والخطاب الذكوري

نشر في: 2 إبريل, 2011: 09:07 م







