سلام حربه
تمر المجتمعات بظروف سياسية واقتصادية واجتماعية متنوعة، هذه الظروف هي من ترسم واقع المجتمعات الجديد، هذا الأمر يلاحظ في الهزات السياسية القوية والانقلابات الدموية بحيث تدور زاوية الواقع مئة وثمانين درجة، ترى أيضا في تحول الانظمة الملوكية الى جمهورية وبالعكس والدكتاتورية الى ديمقراطية مشوهة كما يحصل اليوم في العراق بعد سقوط النظام الدكتاتوري عام 2003، هذا الانقلاب في الواقع لا يترك أثره في الحياة السياسة والاقتصادية بل يمتد الى المفاصل الاخرى الاجتماعية والثقافية والعلمية وحتى النفسية منها. يعتمد الواقع عند تفكيك مفرداته على مجموعة من البنى السياسية والاقتصادية والعلمية والقانونية وغيرها التي تشكل طبيعة النظام السياسي إن كان هذا النظام راقيا وحضاريا فمن مخرجاته صياغة علاقة البشر النبيلة بعضهم مع بعض وعلاقة الأفراد والمجاميع بمؤسسات الدولة كافة وتصوغ تركيبة الفرد الداخلية، نمط تفكيره، وعيه الاجتماعية، مقياس وطنيته، وطبيعة المشاعر والأحاسيس والسلوكيات التي يختارها كي تأخذه الى أن يرتقي في وجوده عن باقي المخلوقات الدنيا والترفع عن السفاسف والنزعات الغريزية والتصرفات البوهيمية وهذه غالبا لا تكون حالة فردية بل ظاهرة اجتماعية تشمل المجتمع كله وتدمغه بوشم التحضر والمدنية والانسانية. تقاس بوصلة المجتمعات الراقية بمدى سلوكها الانساني الذي يشير الى بنية اقتصادية وسياسية واجتماعية وقانونية تتسيد في هذا البلد، هذا ما كان يشار الى العراق والعراقيين من قِبل كافة المجتمعات في منتصف القرن العشرين بحيث أن العراقي ابتكر حداثات جديدة وقف الآخرون أمامه منبهرين وصاغرين
فهنا في هذا البلد تحدّث الشعر والأدب والفن والعمارة وحتى في تطور العلوم وتأثيرها ليس في العراق وحده بل في كل المنطقة العربية بحيث أن العراقي كان حين يدخل في سباق علمي مع أفراد البلدان الأخرى حتى الأوربية منها يتفوق عليهم وكان الجميع ينظرون اليه بإحترام كبير فلا غرابة لديهم من هذا التفوق لأنه سليل حضارة عظيمة امتدت آلاف السنين من سومر وبابل وأكد وآشور وطيلة وجوده على الأرض كان منطقه علميا ولا يتعامل بالخرافة والأوهام وحتى الأساطير والملاحم التي ابتكرها لم تكن خرافية بحتة بل ضمنها كل تصوراته العلمية بحيث اشتقت المجتمعات الأخرى منها أصنافا متطورة من العلوم وتأسست من صياغاتها الفلسفية الأديان حتى السماوية منها اليهودية والمسيحية والاسلام. لا تتراجع خطى التحضر عند الانسان الا بقتل الروح عنده عندما يسلط عليه نظام قمعي دكتاتوري فتموت المبادرة والارادة وبمرور الوقت تحتضر مجسات الفكر لديه ويتنازل عن مبدأ الشك الذي كان يتسلح به حين كان منطقه علميا تربى عليه من مناهج التعليم الراقية ومن مختبرات البحث التي تربط الشك بحلقة اليقين الوليد من التجربة والتمحيص، ويبقى طيلة حياته في هذا الصراع بين شكه ويقينه بعد أن ألغى من نمط تفكيره العقلي كل مطلق لأن الحياة علمته أن كل ما يجري في الكون نسبي قابل للتغيير في أية لحظة. جاءت الحروب والقتل والملاحقات والنفي والفكر القسري في العراق في منتصف السبعينيات ليُعزل العراقي بعيدا عن العالم وطيلة عقود من الزمان كان يسبح في بحر من الجهل، تخلى عن منطقه العلمي ليتحزم باليقينيات الكاذبة وانحط التعليم ولم يبق منه سوى التلقين الأعمى وتراجع الوعي الاجتماعي لحدود خطرة ليصبح جلّ علمه وفكره مجموعة املاءات يهذيها القائد (الاله الجديد صاحب التسعة والتسعين اسما) ليعيش العراقي في جزيرة معزولة لا يعرف ما يدور في العالم من ثورات علمية وأفكار مبتكرة تبدو في وقتها مستحيلة ويقف في بركة من الدم من حروب مجنونة أشعلها الدكتاتور مع بلدان الجوار والعالم ليبرهن للشعب السادر في التيه أنه المرسل لهذا العالم وأفكاره القبس الذي يجب ان تمضي على هداه البشرية..
ما حصل في عام 2003 وتغيير النظام الدكتاتوري على يد الاحتلال الامريكي لم يحدث نقلة نوعية أخرجت المجتمع من هذا المستنقع الضحل بل صاغت له نظاما سياسيا ريعيا مبنيا على التوافقات والمحاصصات المذهبية والدينية والعرقية تسيدت عليه أحزاب الاسلام السياسي بشقيها السني والشيعي والاحزاب الشوفينية الكردية والعربية فتم تقاسم السلطة بين هذه الاحزاب وسُرق المال العام وبدل بناء دولة عصرية علمية أصبح البلد عبارة عن كانتونات طائفية وعرقية وكل يعمل من أجل تغليب طائفته أو عرقه على الآخرين ونسي الجميع أن هناك بلدا اسمه العراق. تم اهمال القطاعات الصناعية كافة الصناعية والزراعية والسياحية والثقافية والعلمية وتراجعت مناهج وطرق التعليم وامتلأت بالغيبيات ومعاداة العلم وشروطه ونتائجه البحثية وتم اسقاط الثقافة والآداب والفنون في الدرك الأسفل وأشيع، من قبل بعض الشيوخ الجهلة، أنها من رجس الشيطان وطُرقِه الى جهنم، وتم اغراق المجتمع بالخرافات والاوهام التي جُندت لها المنابر الدينية في طول البلاد وعرضها وأُغرق المجتمع بالساذج والتافه من قصص وحكايات الماضي وتأله رجال الدين وكشرت الغرائز الدنيوية عن أنيابها، الانسان لا يشبع من مال ولا من جنس ولا من أكل ولا من اللهو الحسي الذي لا يحتاج لتنشيط العقل كلعبة كرة القدم مثلا. في العقل تحجرت الأكاذيب والسخافات والحماقات بحيث لم يعد هناك من منفذ لأية حقيقة علمية وبدأ الفرد يتحول بمرور الأيام الى مسخ يمارس كل التفاهات بعد أن حجبت عن عقله وعينيه كل الحقائق ولا رادع له، حين تثور عنده الغرائز، من أن يتحول الى ذئب بلباس بشري قادر على الافتراس وممارسة كل الأعمال والسلوكيات التي تأنف منها حتى الحيوانات.
وما حصل في البصرة من محاصرة الفتاة الشابة من قبل الذئاب البشرية نهاية عام 2025 وفي بغداد والمحافظات كل يوم خير دليل على هذا القول. كي ينزع الانسان ثوب الذئبية والحيوانية في سلوكه ونمط تفكيره يحتاج الى تغيير نظام بلده السياسي الى نظام قائم على منطق العلم، دون اغفال دور الدين وتأثيره الروحي عند الفرد، نظام مدني تتوفر فيه الحرية والعدالة الاجتماعية ويسود القانون على الجميع ووضع القيود الصارمة على الأحزاب الدينية والعرقية التي لا تستطيع العيش خارج مياه المحاصصة الحزبية والطائفية وشل خطاها لأن نظامها الداخلي يسير عكس الحياة يدفع بالمجتمع صوب التوحش والبربرية..










