TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > هل يمثل النموذج العراقي مخرجاً للأزمة السورية؟

هل يمثل النموذج العراقي مخرجاً للأزمة السورية؟

نشر في: 25 يناير, 2026: 12:02 ص

سعد سلوم

(2-2)
في سياق إشكالية محاكاة «النموذج العراقي» في سوريا، ناقشنا في المقال الأول ضرورة إيجاد «طريق ثالث» يتجاوز جمود المركزية الصلبة وفوضى المكونات، وهو المسار الذي أطلقنا عليه «شراكة المواطنة المطمئنة» القائم على إدارة التنوع الثقافي، وتبني اللامركزية، مع بناء مؤسسات سيادية تقوم على الكفاءة الفردية. وبناء على هذه الرؤية التي تسعى لتحويل الهويات من خنادق مواجهة إلى لبنات في عقد اجتماعي صلب، ننتقل في هذا المقال نحو تشريح الجانب المؤسساتي والقانوني للتجربة العراقية، لفهم ما يُعرف في العلوم السياسية بـ «الديمقراطية التوافقية».
تنطلق هذه المقاربة من فرضية جوهرية مؤداها أن المجتمعات المنقسمة لا يصلح لها حكم الأغلبية البسيط (الذي قد يؤدي لتهميش الأقليات)، بل تحتاج إلى "هندسة دستورية" تضمن لكل طرف مقعدا على الطاولة، وهو ما يفتح الباب أمام مدى قابلية فلسفة "التصميم الدستوري" العراقي للنجاح في الحالة السورية. لقد نظم دستور عام 2005 التعددية عبر ثلاث ركائز أساسية بنيوية:
1.»توازن الهوية" أو ما يمكن تسميته بالغموض البناء، حيث لم يذهب الدستور نحو علمانية شاملة ولا نحو دولة دينية محضة (المادة 2)، مما سمح بمرور العقد الاجتماعي في بيئة محافظة ومتعددة المذاهب. بيد أنَّ استلهام هذا المسار سوريّاً يفرض ضرورة الانتقال من "الغموض" إلى ما يمكن تسميته بـ "الوضوح البناء"، إذ إن الحالة السورية تستوجب وضوحا دستوريا حاسماً في صون حقوق المواطنة الفردية، وذلك لقطع الطريق أمام تحول غموض النص لاحقا إلى ثغرة تغلب الانتماء المكوناتي على الاستحقاق الوطني، كما أثبتت التجربة العراقية في مآلاتها الواقعية.
2.الاعتراف بالخصوصية القومية ومنح "سيادة داخلية" ضمن الدولة الاتحادية، وهو النموذج الذي مثله إقليم كردستان كأداة فعالة منعت الانفصال الكلي وحمت الجغرافيا من التفتت.
3.الحماية القانونية للأقليات عبر نظام "الكوتا" الذي ضمن صون تمثيل المكونات الصغيرة في خضم الاستقطابات الكبرى، محولا الاعتراف بالتنوع من مجرد شعار إلى استحقاق دستوري يحمي المجموعات من التهميش ويحصن الدولة من الصراعات الوجودية
لم تكن الآليات الإجرائية في التجربة العراقية غاية في ذاتها، بل أدوات للتنفيذ الواقعي هدفت لتثبيت الاستقرار عبر توزيع الموارد والنفوذ، وقد تجلى ذلك في منح المكونات استقلالاً في إدارة شؤونها الروحية (كالأوقاف)، وضمان حصصها في الجهاز التنفيذي لتجنب دوافع اللجوء إلى السلاح." ومع ذلك، فإن هذه الأدوات التي نجحت في "شراء الاستقرار" مؤقتا، تفرض علينا تساؤلا جوهريا حول ثمن هذا الخيار في الحالة السورية: كيف يمكننا تبني "التمثيل العادل" دون السقوط في فخ "إقطاعيات الطوائف" التي تحول الوزارات من مؤسسات خدمية إلى مغانم فئوية؟ إن التحدي السوري يكمن في استعارة "الطمأنة" التي توفرها هذه الأدوات مع تجنب "الارتهان" الذي أنتجته في الحالة العراقية.
عند محاولة إسقاط فلسفة التصميم الدستوري العراقي على الواقع السوري، تبرز إشكاليات بنيوية تجعل من الاستنساخ الحرفي مغامرة غير محسوبة النتائج:
1.يمتلك العراق انقساما (شيعيا، سنيا، كرديا) واضح المعالم وبكتل جغرافية صلبة تسهل عملية الترسيم الإداري، لكنَّ هذه الصيغة القانونية الموفقة نظرياً تصطدم عند عتبة الواقع السوري بتعقيدات ديمغرافية وسياسية تجعل من المحاكاة الحرفية طريقاً محفوفاً بالمخاطر، إذ نجد أن التعددية السورية تمثل فسيفساء ملتحمة ومعقدة، حيث تتداخل الطوائف والمكونات جغرافياً بطريقة تجعل أي تقسيم إداري على أساس هوياتي أمرا شبه مستحيل دون الانزلاق نحو عمليات تهجير قسري لإنشاء كانتونات متجانسة.
2.تعقيد تطبيق تجربة "إقليم كردستان" كنموذج محتمل لشمال شرق سوريا، فبخلاف كردستان العراق الذي يمتلك حدودا واضحة وتاريخاً من الحكم الذاتي منذ عام 1991، يواجه الواقع السوري تداخلا ديمغرافيا حادا في مناطق مثل دير الزور والرقة والحسكة، مما يجعل تطبيق "الفيدرالية القومية" هناك فتيل صراع دائم بدلا من أن يكون أداة للاستقرار.
3.الخشية من خطر ترسيخ الانقسام وضياع مشروع المواطنة، إذ أثبتت التجربة العراقية أن المحاصصة التي ولدت كحل اضطراري سرعان ما تحولت إلى نظام دائم عجز عن إنتاج ولاء وطني جامع، وهو ما قد يحول سوريا إلى نسخة أخرى من لبنان أو العراق حيث يضعف الولاء للمركز لصالح ولاءات فرعية عابرة للحدود.
4.الدور التدميري للقوى الإقليمية، فبينما يخضع العراق لتوازن ثنائي (إيراني-أمريكي)، تتحول سوريا إلى ساحة لتنافس خماسي الأطراف (روسيا، الولايات المتحدة، تركيا، إسرائيل، ايران)، مما يعني أن استيراد النموذج العراقي قد يمنح كل دولة إقليمية (وكيلا طائفيا) محميا بنص الدستور، ليصبح القرار الوطني السوري مرتهنا للخارج بصفة قانونية ونهائية. إنَّ مكمن الخطورة هنا هو أن التوافقية في ظل هذا التعدد الحاد للوكلاء، قد لا تنتج استقرارا، بل تتحول إلى أداة لشرعنة مقوننة للتدخل الخارجي، حيث يصبح العبث بالسيادة السورية ممارسة محمية بغطاء دستوري يمنح القوى الإقليمية حق الفيتو على القرار الوطني عبر أدواتها المحلية.
يفضي بنا هذا التحليل إلى نتيجة مفصلية، وهي أن النموذج العراقي، رغم كونه ناجحا إجرائيا في منع الانزلاق نحو الحرب الأهلية الشاملة وضمان تمثيل الجميع على الورق، إلا أنه ظل فاشلا وظيفيا في بناء دولة المواطنة. وبالنسبة للحالة السورية، فإن الاستفادة من هذه التجربة تتطلب تمييزا دقيقا بين ما يمكن اقتباسه كـ "ضمانات"، وما يجب تجنبه كـ "أورام"، حيث تبرز اللامركزية الموسعة والضمانات الدستورية الصارمة للأقليات كأدوات ضرورية لتنظيم التعددية، بينما تظل المحاصصة في الوظائف العامة (كالجيش والقضاء والوزارات) خطرا داهما يقضي على ما تبقى من "هوية سورية جامعة" ويحول المؤسسات السيادية إلى إقطاعيات حزبية وفئوية.
هذا المسار التوافقي، بكل ما يحمله من تعقيدات، يطرح أمامنا تساؤلا يتجاوز حدود النصوص القانونية: هل لا يزال السوريون، بعد كل هذا النزيف من الدماء والدمار، يثقون في "دولة المكونات" التي تضمن حصة كل طرف كضمانة أخيرة للبقاء، أم أن مرارة التجربة وعمق الجراح قد دفعتهم لنبذ الانتماءات الفرعية والبحث عن دولة "قانون" مجردة، تجعل من الفرد والمواطنة، لا الطائفة والمكون، حجر الزاوية في بناء سوريا المستقبل؟.
إنَّ الإجابة على هذا التساؤل الوجودي لا تتوقف عند حدود العاطفة الوطنية، بل تصطدم بواقع تقني أكثر تعقيداً، إذ يفضي بنا تشريح التجربة العراقية إلى حقيقة مفادها أن "القاعدة الدستورية" قد تحمي التعددية نظريا، لكنها لا تحصن الدولة من التآكل الداخلي أو الارتهان الخارجي. وهنا تبرز الإشكالية الكبرى عند مقارنة العراق بسوريا، فالمخاوف السورية لا تتوقف عند حدود التمثيل، بل تمتد لتشمل "عامل الفساد الممنهج"، إذ إن النظام التوافقي العراقي قد "شرعن" الفساد تحت مسمى "استحقاق المكون"، وهو ترفٌ لا تملكه سوريا المنهكة اقتصاديا، والتي قد لا يتحمل جسدها المنهك نظاماً قائماً على تقاسم الموارد بين نخب طائفية جديدة. يضاف إلى ذلك "فخ النفوذ الخارجي"، فالدستور العراقي "القوي" لم يمنع التدخلات الدولية، بل جعل الخارج "شريكاً مستترا" عبر دعم وكلاء داخل النظام. وفي سوريا، التي تتحول إلى ساحة نفوذ لجيوش أجنبية متعددة، ثمة خشية حقيقية من أن يتحول النموذج التوافقي إلى غطاء دستوري لشرعنة مناطق نفوذ دولي دائمة.
إن النموذج العراقي، بهذا المعنى، يمثل "وصفة علاجية" لوقف النزيف الحربي، لكنه ليس بالضرورة "نموذج بناء" لدولة حديثة، فنجاحه في سوريا مشروط بقدرة السوريين على صياغة "توافقية وطنية" تضمن حقوق المجموعات دون أن تقتل "حق المواطنة" الفردية، ودون أن ترهن المؤسسات الخدمية للمحاصصة الحزبية. وهنا يبرز التساؤل الجوهري: هل يمكن أن تكون (اللامركزية الإدارية الواسعة) بديلا سوريا أكثر أمانا من المحاصصة السياسية المركزية؟
إنَّ تعزيز هذا الخيار ينطلق من قناعة بأن اللامركزية في الحالة السورية ليست مجرد خيار إداري لتسهيل المعاملات، بل هي "ضرورة وقائية" تهدف بالدرجة الأولى إلى نزع فتيل الصراع الوجودي المحموم على السلطة المركزية، وتحويل التنافس من صراع على المركز إلى سباق على النهوض بالمناطق المحلية. إنَّ التحول المنشود يكمن في الانتقال من فلسفة الدولة المركية المتشددة إلى دولة الإدارة التعددية، وهو تحول يحتاج إلى شروط نجاح صارمة: أولها إرساء ضمانات دستورية صريحة للمواطنة بجانب المكونات لضمان حماية السوري بصفته مواطنا أولا، وثانيها التوزيع العادل للموارد عبر لامركزية اقتصادية تنزع فتيل الصراع على المكتسبات، وثالثها حصر التوافقية في القضايا السيادية الكبرى عبر مجلس ثانٍ للبرلمان (مجلس شيوخ) تمثل فيه المكونات بعدالة ويكون له حق "النقض" في القضايا الوجودية والثقافية فقط لضمان الأمان التوافقي دون تعطيل الدولة، مع تحصين الوظائف العامة والبيروقراطية من عدوى المحاصصة.
ختاما، إن الاستفادة من التجربة العراقية في الحالة السورية لا تعني محاكاة النموذج حرفيا، بل استخلاص أدواته المساعدة على الاستقرار مع الحذر من فخاخه الوظيفية التي أرهقت الدولة والمواطن معا. إن المسار الأسلم لسوريا قد يكمن في توافقية مرنة، لكن نجاح هذا المسار يتطلب ما هو أبعد من النصوص، يتطلب نضجا وطنيا وإرادة حقيقية، فالدستور مهما بلغت درجة إحكامه يظل جسدا بلا روح ما لم تتوفر القناعة بضرورة التنازل لصالح المجموع، ليكون الميثاق الوطني وسيلة لجمع السوريين لا وثيقة لتقاسم الحصص بينهم. ومع هذا التصور، يبقى السؤال المعلق برسم المستقبل: هل تمتلك القوى السياسية السورية اليوم هذا النضج للقبول بتسوية تاريخية يتنازل فيها الجميع عن سقف مطالبهم لصالح بقاء الدولة، أم أن ذهنية المنتصر والخاسر لا تزال هي المحرك الفعلي الذي يغلق أبواب الطريق الثالث؟

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

إستعادة المعنى المُغيَّب للبحث العلمي

العمود الثامن: راتب عالية وتقاعد لؤلؤة

العمود الثامن: الصيهود قبل وبعد.. وبعد

العمود الثامن: مئوية سليم البصري ومحنتنا

العمود الثامن: لماذا تزعجهم بغداد؟

العمود الثامن: "شنطة" نجيب محفوظ

 علي حسين يعيد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته لهذا العام الاحتفاء بعميد الرواية العربية نجيب محفوظ، الروائي وقائد الفكر الذي ساهم في تأسيس سؤال المعرفة في مرحلة مبكرة من تاريخنا المعاصر، وهي...
علي حسين

قناديل: فخٌّ عنوانُهُ "كائن الأفكار "

 لطفية الدليمي هناك أسئلةٌ تبدو بسيطة عاديّةً في ظاهرها؛ لكنّك كلما اقتربتَ منها اكتشفتَ أنّها فخاخٌ أنيقة ومرعبة. أحدُ هذه الأسئلة»هل يمكنك أن تعيش مع أفكارك فقط؟». لا بشر، لا ضجيج علاقات، لا...
لطفية الدليمي

قناطر: ماذا بعد الحرب الأخيرة؟

طالب عبد العزيز أمرٌ يحزُّ في القلب ما تنوي فعله الاساطيل الامريكية بايران، الشعوب الإيرانية تستحق الحياة، والبلاد العظيمة؛ بجغرافيتها المتنوعة الجميلة؛ وتاريخها العريق، وما بيننا من مشتركات دينية، وإنسانية تقف بأعيننا، والله؛ نحن...
طالب عبد العزيز

هل يمثل النموذج العراقي مخرجاً للأزمة السورية؟

سعد سلوم (2-2) في سياق إشكالية محاكاة «النموذج العراقي» في سوريا، ناقشنا في المقال الأول ضرورة إيجاد «طريق ثالث» يتجاوز جمود المركزية الصلبة وفوضى المكونات، وهو المسار الذي أطلقنا عليه «شراكة المواطنة المطمئنة» القائم...
سعد سلّوم
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram