ثائر صالح
الحلقة السادسة الأخيرة: 1791
قرر موتسارت البدء من جديد بعد رحلته المأساوية إلى فرانكفورت. اضطر في البداية إلى تدريس البيانو حتى يكسب بعض المال. ثم عرض على بلدية ڤيينا العمل كمساعد لقائد جوقة كنيسة شتيفان المريض يوهان ليوپولد هوفمان (1738 - 1793)، الأمر الذي قبلته البلدية من دون أجر، مع وعدٍ بتعيينه خليفة له بعد وفاته. يعود موتيت "Ave verum corpus" الديني (K618) إلى تلك الفترة، فقد ألفه في صباح يوم من حزيران 1791، وهو واحد من أرقّ وأعظم أعماله. كما كتب موتسارت في أشهره الأخيرة عملي أوبرا هما "الناي السحري" (K620) و "رحمة تيتوس" (K621). كانت الناي السحري انتصاراً كبيراً له، فقد قدمت هذه الأوبرا الألمانية مراراً منذ عرضها الأول في نهاية أيلول وأعادت له ثقته بنفسه، وثقة الجمهور به. وقد أدّت ألويزيا ڤيبر دور ملكة الليل في هذه الأوبرا التي كانت تعكس الكثير من الصراعات التي عاشها موتسارت - علاقته مع أبيه وعلاقته مع زوجته. كما ضمّنها بعض الرموز الماسونية سيما وأن المسرح الذي قدمت عليه كان بإدارة صديقه وزميله في اللوج الماسوني إيمانويل شِكانيدر الذي اقترح عليه هذه الأوبرا. أصبح موتسارت عضواً في لوج الماسونيين الأحرار في أواخر 1784، وقد انضم أبوه ويوزف هايدن إلى نفس اللوج لاحقاً.
تلقى موتسارت في أواخر تموز 1791 طلباً عبر وسيط لكتابة قداس جنائزي، وكان الشرط بقاء هوية صاحب الطلب سراً. كان الكونت فرانس فون ڤالسَك وراء الطلب، وكان يود نشر العمل بأسمه. وافق موتسارت بسبب حاجته إلى المال لتسديد ديونه، وباشر بكتابة القداس الجنائزي في ره الصغير (K626)، آخر عمل له الذي لم يكمله بسبب وفاته المبكرة. طلبت كونستانتسه من عدد من الموسيقيين الآخرين إكماله، أهمهم تلميذه الشاب فرانس ساڤير زوسماير. يعد القداس الجنائزي بين أنبل وأجمل ما كتبه موتسارت، مع ذلك يعتبر أكثرها غموضاً، تحوم حوله الكثير من الأساطير والأقاويل.
توفي موتسارت فجر الخامس من كانون الأول 1791 (هُدم البيت الذي توفي فيه، حيث تشير اليوم لوحة إلى ذلك)، ودفن في مقبرة سانت ماركس مع آخرين بسبب تفشي جانحة وقتئذ، وسرعان ما نسي موقع القبر. ويوجد اليوم نصب رمزي لموتسارت في هذه المقبرة. وقد حولت بلدية ڤيينا بعض الشقق التي سكنها موتسارت إلى متاحف ووضعت لوحات تذكارية عليها، مثلما فعلت بلدية زالتسبورك بتحويل بيت مولده إلى متحف.
لم نكن لنعرف الكثير عن موتسارت لولا الجهد الكبير الذي بذلته أرملته كونستانتسه في توثيق كل تفاصيل حياة موتسارت. وكان لقائها الثاني مع نانرل اخت موتسارت في 1821 بعد نحو أربعين عاماً من اللقاء الأول مثمراً هذه المرة، فقد سلمت نانرل كونستانتسه ما لديها من مراسلات عائلة موتسارت وغيرها من الوثائق. وكانت كونستانتسه قد تزوجت من دبلوماسي دنماركي في 1809 عاونها على كتابة سيرة حياة موتسارت التي صدرت في 1828 بعد وفاة زوجها، وكانت قد انتقلت إلى زالتسبورك في 1824 بعد أن عاشت سنوات في كوبنهاغن لتعيش سنواتها الأخيرة حتى وفاتها في 1842.
موسيقى الاحد: موتسارت الاعجوبة

نشر في: 25 يناير, 2026: 12:02 ص








