جورج منصور
تمرّ في الخامس والعشرين من كانون الثاني (يناير) 2025 الذكرى العاشرة لرحيل الدكتور فائق روفائيل بطي (أبو رافد). وُلد في بغداد عام 1935، وحصل على بكالوريوس في الصحافة من الجامعة الأميركية في القاهرة، ثم نال الدكتوراه في الصحافة من موسكو. كان شيوعيّاً، وتعرّض للاعتقال بعد انقلاب شباط 1963، ليغادر بعدها إلى المنافي حيث أصدر عدداً من الصحف المعارضة مثل "عراق الغد» و «رسالة العراق». توفي في 25 كانون الثاني (يناير) 2016 في أحد مستشفيات لندن عن عمر ناهز الثانية والثمانين.
أصدر الراحل العديد من الكتب والدراسات، خاصة في تاريخ الصحافة العراقية والكردية والسريانية. وكان يرى للصحافة دوراً محورياً في كشف الحقيقة، مؤكداً أنها «مهنة البحث عن الحقيقة» لا «مهنة المتاعب». كتب مذكّراته بعنوان «الوجدان»، وألّف كتاب «عراقيون في الوجدان» الذي قدّم فيه صوراً لشخصيات عراقية بارزة. وفي سنوات المنفى، تولّى تحرير جريدة " صوت الاتحاد» وإذاعة «صوت الرافدين».
تعرفتُ إليه بعد وصولي مع عائلتي إلى كندا في شباط 1990. وفي عام 1992 انتُخبتُ مسؤولاً للمنظمة الحزبية هناك، بينما انتُخب فائق بطي عضواً في اللجنة المركزية في المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي العراقي في حزيران 1993. زارنا في تورنتو لعرض نتائج المؤتمر والاطلاع على سير عمل المنظمة، ومنذ ذلك اللقاء توطدت علاقتي به.
في عام 2005 أجريتُ معه مقابلة في برنامجي الأسبوعي «حصرياً على عشتار» على قناة عشتار الفضائية، التي أسسستُها عام 2004. تحدث في اللقاء عن والده روفائيل بطي، الذي وُلد في الموصل ودرس الحقوق في بغداد وعمل محرراً في جريدة «العراق». وألف في الرابعة والعشرين من عمره كتاب «الأدب العصري في العراق العربي».
وتوسّع في الحديث عن والده قائلاً إنه خاض العمل السياسي، وأصدر جريدة "البلاد» في بغداد عام 1929، ثم أصبح نائباً في البرلمان عن المسيحيين في بغداد. كان وطنياً معارضاً، سُجن وتحمل المنفى، وتولى وزارة الإعلام في حكومة فاضل الجمالي عام 1953. وكان يتعرض لهجوم يومي في الصحافة، حتى إن أحد شيوخ القبائل قاطعه في البرلمان قائلاً: «اقعد… ولك كلك أثوري نصراني».
أرّخ فائق بطي سيرة والده في كتابه الضخم «ذاكرة عراقية» الصادر في جزأين يبلغان نحو ألف صفحة. وكما فعل والده، خاض هو الآخر المعترك السياسي ومارس الصحافة في سن مبكرة. وعلى الرغم من أن له ثلاثة إخوة، إلا أنه تولّى مسؤولية جريدة «البلاد» بعد وفاة والده عام 1956 وهو في السادسة والخمسين من عمره.
في عام 2008، استأجر بيتاً في بلدة عنكاوا بأربيل العراق، وتفرغ للكتابة الموسوعية، يعمل ساعات طويلة في البحث والتوثيق. كنا نلتقي مساءً بعد انتهاء عمله ودوامي، فقد كنت آنذاك وزيراً لشؤون منظمات المجتمع المدني في حكومة إقليم كردستان.
في إحدى الأمسيات، بينما كنّا نغادر نادي المركز الأكاديمي في عنكاوا بعد سهرة صاخبة بالضوضاء، التي كان يكرهها، تعثّر وسقط أرضاً وأصيب ببعض الرضوض. ومنذ ذلك اليوم، فضّل أن نقضي أمسياتنا في منزلي، خاصة عندما يكون وحيداً وزوجته سعاد في لندن. حيث كانت نيفين، السيدة التي تعمل عندي آنذاك، تُحضّر ما يلزم من المقبلات والطعام ثم تغادر إلى منزلها. وكان أبو رافد يلحّ عليّ ألا أدعها تعود لترتيب المائدة وغسل الصحون، فهو لا يحب إثقال كاهل أحد.
كان أبو رافد في سبعيناته، وشَعره الأبيض يضفي عليه هيبة العارفين. كلما أثقل العمل كاهله وهو يغوص في تفاصيل موسوعته عن الصحافة، كان يأتي إليّ ماشياً من بيته المستأجر في تلك البلدة الصغيرة، بخطوات هادئة تليق برزانته. وما إن يطرق الباب حتى أعرف أنه جاء ليقضي أمسيته معي، فنغرق معاً في أحاديث طويلة تمتدّ حتى يتهادى الليل.
كان قنوعاً، عزيز النفس، لا يطلب الكثير من الطعام، ويميل إلى صنف واحد من المقبلات. وكان يعاني أحياناً من نوبات سعال، ولم تكن بنيته قوية. ولا أدري لماذا كان يسمّي مشروب الويسكي المفضل لديه، «الريد ليبل»، ب»الزرنيخ»، ذاك العنصر الكيميائي الشديد السمية!.
وكان إذا جلس في مقعده المفضل قرب النافذة، يخلع عن كتفيه عبءَ النهار كما يخلع معطفه القديم، ثم يبتسم ابتسامة صافية. يمدّ ساقيه المتعبتين أمامه، وينظر إليّ نظرةَ من وجد أخيراً ملاذاً من ضجيج العالم، ولو لساعات.
كنا نبدأ أحاديثنا من آخر كتابٍ قرأه، أو من حكاية استعادها من أرشيف ما زال الغبار عالقاً على أطرافه. يروي عن الصحفيين الذين مروا في حياته كمحطات قطار، وعن معاركه الصغيرة دفاعاً عن كلمة صادقة أو عن صورة يرفض أن يطمسها التاريخ.
ومع مرور الوقت، أدركت أن زياراته لم تكن لمجرد السمر، بل حاجة عميقة لأن يجد من يصغي إليه، وأن يحفظ ما في ذاكرته. كنت أتركه يتحدث طويلاً، فهو من أولئك الذين يختزلون الزمن حين يفتحون دفاترهم.
وحين يشتدّ الليل، كان ينهض ببطء، يعدل معطفه، ويقول عبارته التي لم تتغير: «سنكمل غداً… فالكلام لا ينتهي». ثم يمضي، حاملاً صداقة كانت تنمو في كل مساء.
بعد انتهاء جلستنا، كنت أرافقه وأسير إلى جانبه حتى باب منزله القريب، وكأن المسافة القصيرة جزء من ودّ لا يكتمل إلا بخطواتنا معاً.
في الخامس من أيلول 2009، دعوتُ الزميل فلاح المشعل، رئيس تحرير جريدة «الصباح»العراقية، إلى أمسية، في نادي مارينا بعنكاوا، أثناء مشاركته في مؤتمر لمنظمة إعلامية كندية ممثلاً عن شبكة الإعلام العراقي. وشارك في الأمسية أيضاً الدكتور فائق بطي وسعاد الجزائري، والصديق الروائي زهير الجزائري. كنا في غاية السرور ونحن نتبادل أطراف الحديث، حين تلقّى فلاح اتصالاً هاتفياً من بغداد.
لم يستغرق الحديث سوى لحظات، لكن ملامحه تغيّرت فجأة، وعلتها آثار الصدمة. سألته عمّا حدث، فقال:
« الاتصال كان من زميل يخبرني أنني قد أُعفيت من منصبي، وقد نشرت وكالات الأنباء الخبر». وأضاف: «تصرف غير لائق من مجلس الأمناء بعد أن أقنعوا رئيس الوزراء نوري المالكي بذلك».
جاء القرار فجأة بلا سابق إنذار. ربما كانت تلك من أقسى اللحظات في حياة رئيس تحرير يرتبط منصبه بالهيبة والمسؤولية والثقة. في لمح البصر، بدا كأن الأرض قد مُدت من تحت قدميه. كيف لا وهو في مؤتمر يمثّل فيه مؤسسته، ثم يفاجأ بأنه لم يعد جزءاً منها. شعرنا جميعاً بالخذلان؛ سنوات من العمل وبناء الصحيفة والجهد المضني بدت وكأنها ذهبت أدراج الريح. حاولنا مواساته، إلاّ فائق بطي الذي بقي صامتاً تماماً، لم يتفوه بكلمة.
في اليوم التالي، وجدتُ أبا رافد مستاءً جداً مما حدث. سألته: لماذا لم تتحدث بالأمس؟ فأجاب بنبرته الهادئة: «لم أرد أن تتحول الأمسية الجميلة إلى عزاء بسبب تصرف طائش من مجلس أمناء شبكة الإعلام العراقي، وبتحريض من رئيس الوزراء نفسه».
كان غضبه مكتوماً، لا يريد إفساد الجلسة. كان غاضباً من المؤسسة وأسلوب الإدارة، ومن دبر الأمر في الخفاء. كان يدرك أن بعض القرارات تكشف الوجوه خلف الابتسامات.
كان صحافياً ومثقفاً من العيار الرفيع، يفضل الصفوف الخلفية رغم قدرته على الصدارة. متواضع بطبعه، قريب إلى القلب من اللحظة الأولى، يمتلك عزة نفس لا تنحني، ورصانة لا تهزّها الأضواء. يكره الظلامة ويتجنب النميمة وضجيجها. صريح في القول، واضح في الكتابة، لا يساوم على كلمة ولا يجامل على حساب الحقيقة. قليل الكلام كثير الفعل؛ يترك أثراً حيثما يمضي، صامتاً حين يعمل. لكن ثمرة عمله لا تخفى. إنه ممن تُقاس قيمتهم بما يخلّفون، لا بما يعلنون.
كنتُ أساعده في تذليل الصعوبات اللغوية أثناء عمله على موسوعة الصحافة الكردية لأنني أتقن اللغة، وفي إيجاد مصادر لموسوعة الصحافة السريانية. وعندما صدرت الموسوعة، أهداني نسخة وكتب عليها بخط يده: «إلى العزيز جداً جورج منصور مع مودتي واعتزازي به رفيق درب طويل من بغداد حتى دول المنفى شرقاً وغرباً.. وللذكرى». وقّع: فائق بطي.
في الذكرى العاشرة لرحيل عميد الصحافة العراقية: فائق بطي.. الصحفي الباحث عن الحقيقية لا المتاعب

نشر في: 25 يناير, 2026: 12:03 ص








