علي حسين
يعيد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته لهذا العام الاحتفاء بعميد الرواية العربية نجيب محفوظ، الروائي وقائد الفكر الذي ساهم في تأسيس سؤال المعرفة في مرحلة مبكرة من تاريخنا المعاصر، وهي بالتأكيد المرحلة التي لن نصلها كعرب مستقبلاً، لأننا فضلنا أن نتبارز في الفضائيات، بدلاً من ان نتبارز في الافكار.
وانت تسير في ازقة القاهرة تتذكر روايات نجيب محفوظ حيث كان لهذه الازقة نصيبا كبيرا حين خلدها في معظم رواياته الضاجة بالحياة والامل والاضواء، في الثلاثية او السراب او خان الخليلي او زقاق الدق يصف لنا قاهرته المدهشة، ونتابع في صفحات رواياته كيف تتسرب منها الحياة، وتمضي الازمنة، لكن مدينة نجيب محفوظ ثابتة. في هذا الشارع المتعرج كالمتاهة كان ياسين يحاول السير على خطى والده كمال عبد الجواد الغرامية ، وفي واجهات الدكاكين ستسمع ضحكات شلة الانس، وفي واحدة من الحدائق سنشاهد كمال عبد الجواد جالسا يحاول حل الغاز نظرية داروين .وكان نجيب محفوظ ينظر من خلال عيني كمال عبد الجواد الى القاهرة وتحولاتها ويطرح الاسئلة دون ان يعطي دروسا .. يقول انه ولد في حارات القاهرة القديمة، وهو يعشقها : "هناك نوع من الحب الذي نحمله لمكان ما ولناس هذا المكان" احياء القاهرة القديمة كانت هي كل شيء بالنسبة له ، وهو يصفها بانها الزوجة الاولى التي اراد من خلالها ان يقدم تجربته في الحياة ، ورغم هذا يقول لجمال الغيطاني في كتاب "المجالس المحفوظية" ان بعض اصدقائه يعرفون كل متر في القاهرة: "انا لا اعرف شيئا سوى القليل القليل".. وهذ القليل هو الذي مكنه من ان ينطلق من تفاصيل صغيرة وواقعية الى تشييد حياة باكملها.. من "سعيد مهران" المطارد في اللص والكلاب الى "نفيسة كامل" ابنة الاسرة الفقيرة في بداية ونهاية مرور بـ "صابر الرحيمي" الباحث عن ابيه في رواية الطريق الى "حميدة " في زقاق الدق التي سقطت في جحيم الغواية، الى عوامة النيل حيث يجتمع الاصدقاء يثرثرون فتختلط عندهم الاوهام بالواقع.. منذ اكثر من ثمانية عقود اطلق نجيب محفوظ سهم الرواية العربية، لياخذنا معه في افتتاح مهرجان الخيال الممزوج بالواقع .. وكان قدر نجيب محفوظ الذي تحتفل به مصر هذه الايام ان يكون دليلنا في رحلة الخيال هذه.
هذه السنة قررت مصر ان تحتفل بنجيب محفوظ على طريقتها الخاصة، فاعلنت ادارة معرض الكتاب توزيع "شنطة نجيب محفوظ"، والتي تضم عناوين من مؤلفاته وما كتب عنه.
يكتب ادوارد سعيد ان:" اعمال نجيب محفوظ ليست مشهورة بسبب المدة الطويلة التي قضاها في الكتابة فحسب، بل لأن عمله مستمد من رؤية مكانية وخيالية لمجتمع فريد في الشرق الاوسط.









