بغداد / محمد العبيدي
أثار قرار الحكومة العراقية تسلُّم دفعات من عناصر تنظيم داعش القادمين من سوريا جدلاً واسعاً وتساؤلات متشابكة، تجاوزت حدود الترتيبات الأمنية والإجرائية، لتفتح نقاشاً أعمق حول ما وراء الخبر، وطبيعة الضغوط الدولية، والخيارات المحدودة أمام بغداد، فضلاً عن الكلفة الأمنية والسياسية طويلة الأمد لهذا الملف الثقيل.
والخطوة، التي جاءت بعد إعلان القيادة المركزية الأميركية بدء نقل ما يصل إلى سبعة آلاف معتقل من عناصر التنظيم إلى مرافق خاضعة للسيطرة العراقية، وُضعت منذ اللحظة الأولى في خانة «القرار الاضطراري»، لا سيما في ظل التحولات المتسارعة على الساحة السورية، وتراجع قدرة قوات سوريا الديمقراطية على الاحتفاظ بملف السجون والمخيمات، خصوصاً مخيم الهول، الذي طالما شكّل بؤرة قلق أمني إقليمي.
تهديد مباشر للعراق
ويرى اللواء المتقاعد جواد الدهلكي أن «المشهد لا يمكن فصله عن التطورات التي أعقبت دخول فصائل هيئة تحرير الشام إلى دمشق نهاية 2024، وما رافقها من فتح واسع لأبواب السجون، وخروج آلاف المعتقلين المرتبطين بتنظيمات متطرفة، بينهم عناصر من داعش وجبهة النصرة وتنظيم القاعدة».
وقال الدهلكي لـ(المدى) إن «وجود هذا العدد الكبير من عناصر داعش خارج السيطرة في سوريا شكّل تهديداً مباشراً للعراق، ما استدعى التعامل مع الملف بمنطق الاحتواء المنظم، بدلاً من تركه مفتوحاً على احتمالات الهروب أو إعادة التموضع».
وأضاف أن «توزيع المعتقلين على عدة سجون عراقية، مثل سوسة والكرخ والحوت، جرى وفق خطة أمنية مدروسة، تأخذ بنظر الاعتبار القدرة الاستيعابية، ومستوى التحصين، وإجراءات العزل، بما يمنع أي اختراق أو تنسيق داخلي بين العناصر الخطرة».
وواجه القرار جملة من التساؤلات تتعلق بمدى جاهزية السجون العراقية لاستيعاب هذا العدد الكبير من عناصر تنظيم داعش، لا سيما أن كثيراً من السجون سجّلت خلال السنوات الماضية حالات ومحاولات هروب واختراق أمني، بعضها ارتبط بضعف البنى التحتية، وأخرى بعوامل فساد أو تواطؤ، ما أعاد إلى الواجهة مخاوف قديمة من تحوّل السجون إلى نقاط هشّة قابلة للاستهداف أو التفجير من الخارج.
كما أن القرار جاء برغم تأكيدات متكررة من القوات الأمنية بأن الحدود العراقية – السورية مؤمَّنة بشكل كامل، وأن التحصينات الممتدة على طول الشريط الحدودي، من جدران كونكريتية، وخنادق، وأسلاك شائكة، وكاميرات حرارية، ستمنع احتمالات التسلل أو العبور غير الشرعي.
خيار اضطراري
بدوره، يذهب الباحث في الشأن السياسي مجاشع التميمي إلى أن «بغداد لم تكن تمتلك هامش مناورة واسعاً، إذ أبلغت الولايات المتحدة الحكومة العراقية بوجود مخاطر حقيقية لتهريب عناصر داعش، نتيجة تعاطف بعض الفصائل السورية مع المحتجزين، وانسحاب قوات قسد من مواقع الاحتجاز»، مشيراً إلى أن «وزيري الخارجية والدفاع الأميركيين أكدا أن وجود المقاتلين الأجانب في العراق سيكون مؤقتاً».
وأضاف التميمي لـ(المدى) أن «المشهد معقّد، والقرار ثقيل سياسياً وأمنياً، لكنه جاء في ظل غياب البدائل الواقعية، خصوصاً مع انهيار منظومة الاحتجاز في شمال شرق سوريا»، لافتاً إلى أن «قبول العراق بهذا الدور يضعه في مواجهة تحديات داخلية، لكنه في الوقت نفسه يمنع سيناريوهات أكثر خطورة، مثل تسلل العناصر أو إعادة انتشارها إقليمياً».
قرار ثقيل سياسا وامنياً.. كيف وجدت بغداد نفسها مسؤولة عن ملف معتقلي داعش؟

نشر في: 25 يناير, 2026: 12:20 ص








