TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > الإعلام حين يفتقد الدراما

الإعلام حين يفتقد الدراما

نشر في: 26 يناير, 2026: 12:02 ص

ابراهيم البهرزي

لنتفق اولاً بانه لا توجد قناة فضائية بريئة تمامًا.
فملايين الدولارات التي تُنفق على بناء استوديوهات، وأجهزة بث، واشتراكات في أقمار صناعية واجور عاملين وفنيين لا تُدفع من أجل الحقيقة وحدها؛
فالحقيقة في هذا العالم يتيمة، لا ممول لها ولا راعٍ دائم.
ومع ذلك، يبقى على الإعلامي أن يتقن لعبة الحياد الظاهري،
أو على الأقل ألا يبدو متورطًا مفضوحا في انحيازات القناة التي يعمل تحت سقفها.
فحين يستضيف الإعلامي ضيوفًا يشبهون بعضهم، ويفكرون بالطريقة نفسها، ويتحدثون باللغة ذاتها، فإن البرنامج يتحول إلى نشرة دعائية مقنّعة، لا إلى حوار.
والمشاهد مهما كان قريبًا من هذه القناعات لا يميل إلى متابعة الدعاية، لأنه لا يبحث عن التصفيق، بل عن صراع وتوتر، وعن سؤال لا يعرف إجابته سلفًا.
البرامج الحوارية، في جوهرها، ليست بعيدة عن المسرح.
فكما تقوم الدراما على تضاد الأفكار وتصارع الإرادات، تقوم الحوارات التلفزيونية الجيدة على مواجهة رؤى متناقضة، لا على ترديد رأي واحد بوجوه متعددة.
المسرحية التي يتفق أبطالها منذ المشهد الأول حتى لحظة إغلاق الستارة هي مسرحية ميتة،
وكذلك هو البرنامج الذي يبدأ وينتهي وهو يدور داخل الدائرة نفسها.
عندما يجلس المقدم وضيوفه للدفاع جهارًا عن وجهة نظر مالكي القناة، فإن ما يُقدَّم ليس برنامجًا، بل عرضًا باهتًا، سرعان ما يسقط جماهيريًا.
لا لأن المشاهد يرفض الفكرة بالضرورة، بل لأنه ملّ من سماعها دون نقد، ودون ادنى تشكيك او صوت آخر يربكها.
في فضاء مزدحم بمئات القنوات والمنصات،
يمتلك المشاهد سلاحًا بسيطًا وحاسمًا:
زرّ الاختيار(الريموت كونترول).
وبضغطة واحدة، يغادر العرض الإعلامي الفقير دراميًا إلى مساحة أكثر حيوية، حيث يتجادل المختلفون، ويتعثر اليقين، ويولد المعنى من الاختلاف
مهمة الإعلامي، في وسائل الاتصال الحديثة، تشبه مهمة المخرج المسرحي و هي إدارة الاختلاف وتنظيم الصراع وتوزيع الأدوار، وترك الأفكار تتصارع وحدها على الخشبة.
لا أن ينزل إلى المسرح ليتضامن مع أحد الممثلين، أو ليصفق لهم جميعًا في الوقت نفسه.
كم يبدو الإعلامي هزليًا، بل مثيرًا للشفقة، وهو يقود حوارًا بين أشخاص متطابقين، يكررون رأيه ويعززون انحيازه، فيتحول البرنامج إلى حفلة تهريج دعائية، لا تحتمل المتابعة، حتى من قبل المتفقين معها.
فالدعاية لا تثير الفضول، ولا تصنع الدهشة، ولا تقدم جديدًا.
إنها خطاب بلا مفاجأة، ونص بلا عقدة، ومشهد بلا صراع.
ولذلك، ما إن يشعر المتلقي بغياب الدراما، حتى يغادر هذا العرض باحثًا عن عرض آخر، أكثر صدقًا في اختلافه، وأكثر إقناعًا في تناقضه.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

لعنة الموارد وتزييف الوعي الجمعي

العمود الثامن: قمة الإنسان

العمود الثامن: دستوركم أعرج

واشنطن بوست: من ذاكرة الجمهورية إلى قلق الحاضر

العمود الثامن: لكم ملياراتكم ولنا الحصار!

العمود الثامن: تركوا نور زهير وامسكوا بـ "حمدية"

 علي حسين هل أنت مستغرب من الضجة التي اقامها أحد النواب ضد المسلسل العراقي "حمدية"؟، أنا من جانبي لم استغرب حيث شاهدنا من قبل كيف تكاتفت العشائر مع الأحزاب ضد مسلسل يقدم شيخ...
علي حسين

قناطر: مِشرطُ التَّفريق وخيطُ الرَّأب

طالب عبد العزيز وقفت المسيحية الموقف المعادي للأحزاب الشيوعية في أوربا، ووقف الدين الإسلامي الموقف ذاته من الشيوعية في الوطن العربي، وكذلك كان الموقف منها في بلدان كثيرة بينها الشرق الأوسط، ولم يكن الأمر...
طالب عبد العزيز

كيف تنظر النخب السياسية العراقية إلى المسألة السورية؟

سعد سلوم (2-2) لم تكن نهاية عام 2003 مجرد سقوط لنظام صدام حسين البعثي، بل كانت الزلزال الذي هدم الجدران العازلة بين سوريا والعراق، محولا صراعات الزعامة القديمة إلى كابوس أمني مشترك. ومع تفكك...
سعد سلّوم

أيديولوجيا واحدة أم عدة أيولوجيات؟

سلام حربه اذا كان تعريف الأيديولوجيا بأنها قراءة للواقع ورؤيا شاملة تستطيع من خلالها أن يتشكل تصور للحياة والسياسة والاقتصاد والقيم الاجتماعية، يعني بمنظار هذه الأيديولوجيا تستطيع أن ترى الواقع بكليته ماضيا وحاضرا ومستقبلا...
سلام حربه
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram