ابراهيم البهرزي
لنتفق اولاً بانه لا توجد قناة فضائية بريئة تمامًا.
فملايين الدولارات التي تُنفق على بناء استوديوهات، وأجهزة بث، واشتراكات في أقمار صناعية واجور عاملين وفنيين لا تُدفع من أجل الحقيقة وحدها؛
فالحقيقة في هذا العالم يتيمة، لا ممول لها ولا راعٍ دائم.
ومع ذلك، يبقى على الإعلامي أن يتقن لعبة الحياد الظاهري،
أو على الأقل ألا يبدو متورطًا مفضوحا في انحيازات القناة التي يعمل تحت سقفها.
فحين يستضيف الإعلامي ضيوفًا يشبهون بعضهم، ويفكرون بالطريقة نفسها، ويتحدثون باللغة ذاتها، فإن البرنامج يتحول إلى نشرة دعائية مقنّعة، لا إلى حوار.
والمشاهد مهما كان قريبًا من هذه القناعات لا يميل إلى متابعة الدعاية، لأنه لا يبحث عن التصفيق، بل عن صراع وتوتر، وعن سؤال لا يعرف إجابته سلفًا.
البرامج الحوارية، في جوهرها، ليست بعيدة عن المسرح.
فكما تقوم الدراما على تضاد الأفكار وتصارع الإرادات، تقوم الحوارات التلفزيونية الجيدة على مواجهة رؤى متناقضة، لا على ترديد رأي واحد بوجوه متعددة.
المسرحية التي يتفق أبطالها منذ المشهد الأول حتى لحظة إغلاق الستارة هي مسرحية ميتة،
وكذلك هو البرنامج الذي يبدأ وينتهي وهو يدور داخل الدائرة نفسها.
عندما يجلس المقدم وضيوفه للدفاع جهارًا عن وجهة نظر مالكي القناة، فإن ما يُقدَّم ليس برنامجًا، بل عرضًا باهتًا، سرعان ما يسقط جماهيريًا.
لا لأن المشاهد يرفض الفكرة بالضرورة، بل لأنه ملّ من سماعها دون نقد، ودون ادنى تشكيك او صوت آخر يربكها.
في فضاء مزدحم بمئات القنوات والمنصات،
يمتلك المشاهد سلاحًا بسيطًا وحاسمًا:
زرّ الاختيار(الريموت كونترول).
وبضغطة واحدة، يغادر العرض الإعلامي الفقير دراميًا إلى مساحة أكثر حيوية، حيث يتجادل المختلفون، ويتعثر اليقين، ويولد المعنى من الاختلاف
مهمة الإعلامي، في وسائل الاتصال الحديثة، تشبه مهمة المخرج المسرحي و هي إدارة الاختلاف وتنظيم الصراع وتوزيع الأدوار، وترك الأفكار تتصارع وحدها على الخشبة.
لا أن ينزل إلى المسرح ليتضامن مع أحد الممثلين، أو ليصفق لهم جميعًا في الوقت نفسه.
كم يبدو الإعلامي هزليًا، بل مثيرًا للشفقة، وهو يقود حوارًا بين أشخاص متطابقين، يكررون رأيه ويعززون انحيازه، فيتحول البرنامج إلى حفلة تهريج دعائية، لا تحتمل المتابعة، حتى من قبل المتفقين معها.
فالدعاية لا تثير الفضول، ولا تصنع الدهشة، ولا تقدم جديدًا.
إنها خطاب بلا مفاجأة، ونص بلا عقدة، ومشهد بلا صراع.
ولذلك، ما إن يشعر المتلقي بغياب الدراما، حتى يغادر هذا العرض باحثًا عن عرض آخر، أكثر صدقًا في اختلافه، وأكثر إقناعًا في تناقضه.









