TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > القبضة الأمنية وتآكل الدور الدبلوماسي العراقي

القبضة الأمنية وتآكل الدور الدبلوماسي العراقي

- قراءة في تجربة الحكم البعثي-

نشر في: 26 يناير, 2026: 12:03 ص

حسن الجنابي

1-4
حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، أمكن الحديث عن مسار دولة يسعى –بتعثّر وفي ظل طبيعة استبدادية واضحة – إلى بناء مؤسسات مدنية وإدارية، مستنداً إلى توازنات اجتماعية واقتصادية ناشئة ونزاعات قابلة للاحتواء بدرجات متفاوتة من القمع السياسي، كالاعتقال والنفي والإبعاد وحظر الأحزاب أو اسقاط الجنسية وغير ذلك. وباستثناء جريمتي الإعدام بحق قادة الحزب الشيوعي العراقي (1949) وقادة حركة رشيد الكيلاني (1941) فإن القمع السياسي آنذاك كان أقل وحشيةً وانتشاراً مما حصل لاحقاً.
فقد تحوّل الصراع السياسي في المرحلة اللاحقة إلى صراع وجودي قائم على الثأرية ولا يحتمل التسوية، وارتكبت خلاله فظاعات وانتهاكات جسيمة. وأصبح الانقلاب العسكري في ذلك السياق أداة "مشروعة" للتغيير والوثوب إلى السلطة.
نشأ العراق الجمهوري في بيئة دولية مضطربة وسط تحديات سياسية وإخفاقات أفضت الى أزمة حكم، ودخل طوراً من عدم الاستقرار البنيوي، و"انتعشت" فكرة أن الشرعية تُنتزع بالقوة، وفتحت الباب أمام عسكرة السياسة وتعزيز النفوذ الحزبي داخل الجيش!
جاء التحوّل الأعمق والأخطر على يد حزب البعث، الذي لم ينظر إلى الدولة بوصفها كياناً جامعاً، بل باعتبارها غنيمة سياسية يمكن السيطرة عليها وإعادة تشكيلها. والبعث، منذ نشأته، تميّز ببنية تنظيمية عنفية وعقيدة إقصائية غير قابلة للتكيّف مع منطق الدولة التعددية أو التداول السلمي للسلطة.
وحين وصل البعث إلى الحكم، لم يسعَ إلى بناء مؤسسات دولة مستدامة ومستقلة، بل عمل على تذويب الدولة داخل الحزب، ثم تذويب الحزب لاحقاً داخل سلطة الفرد. أُعيد تعريف مفاهيم الوطنية والشرعية والولاء، لا باعتبارها انتماءً للدولة، بل التزاماً بالحزب ثم بـ"القائد". وهكذا جرى تسييس أجهزة الأمن، والقضاء، والإدارة، والإعلام، لتتحول جميعها إلى روافع في مشروع السيطرة الشاملة. ولم تعد المؤسسات تعمل وفق منطق الاختصاص، بل منطق الثقة السياسية والأمنية. وغدا التدرج الوظيفي مرهوناً بدرجة القرب من السلطة، لا بالكفاءة أو الخبرة. وكان طبيعياً، والحال هذه، أن يمتد هذا المنطق إلى السياسة الخارجية، التي لم تُعامل بوصفها مجالاً لإدارة المصالح الوطنية، بل أداة إضافية لضبط الداخل وتكريس صورة النظام.
لم يقتصر أثر هذا التحوّل على بنية السلطة وحدها، بل انعكس بعمق على علاقة الدولة بالمجتمع. فبدلاً من أن تكون الدولة إطاراً ناظماً للتنوع الاجتماعي والسياسي، جرى التعامل مع المجتمع بوصفه حيزاً مشتبهاً به، يحتاج إلى ضبط دائم وإعادة تشكيل مستمرة. ومع تصاعد دور الأجهزة الأمنية، تقلصت المساحات التي تتيح التعبير أو التفاوض، وحلّ محلها منطق الطاعة والانضباط القسري.
هذا الانفصال المتزايد بين الدولة والمجتمع أضعف قدرة النظام على قراءة التحولات الحقيقية في الداخل، كما حرمه من مصادر معلومات واقعية غير مصفّاة أمنياً. وهو ما أدى، مع مرور الوقت، إلى تضخم وهم القوة، وإلى تقديرات سياسية خارجية لا تستند إلى فهم دقيق لموازين القوى الفعلية على المستويين الإقليمي أو الدولي.
في أجواء الخوف والشكوك تلك بدأت الدبلوماسية العراقية تفقد تدريجياً أحد أهم وظائفها: نقل صورة دقيقة عن المجتمع والدولة إلى الخارج، ونقل صورة دقيقة عن العالم إلى الداخل. فالدبلوماسي بات يعمل تحت وطأة الرقابة والخوف، ولا يجازف بعرض تقييم مهني مستقل.
أسهم ذلك في تشويه صورة العراق خارجياً بسبب السياسات العدوانية وأيضاً بسبب غياب خطاب عقلاني يشرح تعقيدات الداخل العراقي أو يبرر خياراته بطرق مقنعة. ومع الوقت، لم تعد السفارات العراقية قنوات تواصل، بل تحولت إلى منصات دعائية، تُنتج خطاباً يفتقر إلى المصداقية، ويعكس منطق التعبئة الداخلية أكثر مما يعكس لغة العلاقات الدولية.
كانت الحاجة إلى الأزمات من أبرز سمات الحكم البعثي، لأنها تُبقي المجتمع في حالة تعبئة نفسية مستمرة تبرر القمع، وتُسكت الاعتراض. وهكذا توالت الحروب، أو التهديد بها، وتكاثرت "المؤامرات" الحقيقية والمتخيّلة، لتغدو جزءاً عضوياً من الخطاب الرسمي اليومي.
وفي ظل ذلك، جرى تقويض فكرة السياسة بوصفها إدارة عقلانية للمجتمع، واستُبدلت بثقافة التعبئة والتخوين. ولم تعد الدبلوماسية فناً لإدارة الخلاف وتسوية النزاعات، بل نشاطاً ثانوياً خاضعاً لمقتضيات الأمن والحرب. فالتفاوض عُدّ ضعفاً، والمرونة السياسية صُوّرت خيانة، بينما رُفعت شعارات "الصمود" و"التحدي" بوصفها فضائل عليا، بغضّ النظر عن الكلفة الوطنية.
إن تسييس الدولة ومؤسساتها في الداخل قاد، بالضرورة، إلى عسكرة السياسة الخارجية. فحين تُدار السلطة بمنطق الغلبة والإقصاء، يصبح من الطبيعي أن تُدار العلاقات الدولية بالمنطق ذاته. ومن هنا، يمكن فهم كيف تحوّل العراق تدريجياً من فاعل إقليمي يسعى إلى التوازن والمناورة، إلى دولة محكومة بسلسلة من المغامرات "المحسوبة" إيديولوجياً والخاطئة استراتيجياً.
ولم تكن الحرب مع إيران، ولا غزو الكويت، أحداثاً منفصلة عن هذا المسار، بل ذروة منطق طويل قام على إخضاع الدبلوماسية لمنطق القوة، وإلغاء أي دور مهني مستقل لوزارة الخارجية. فهذه الوزارة، شأنها شأن غيرها من مؤسسات الدولة، جرى إفراغها من مضمونها المهني، وربطها مباشرة بمركز القرار، حيث يُختزل الحكم في إرادة فردية لا تخضع للمساءلة.
وهكذا، لم تعد السفارات العراقية في عهد البعث أدوات تمثيل دبلوماسي مهني، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى امتدادات للأجهزة الأمنية في الداخل تُدار ضمن منطق التجسس والصراعات الخارجية.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: راتب عالية وتقاعد لؤلؤة

العمود الثامن: مئوية سليم البصري ومحنتنا

العمود الثامن: الصيهود قبل وبعد.. وبعد

هل يمكن للثقافة أن تنهض في ظل الطائفية؟

العمود الثامن: "شنطة" نجيب محفوظ

العمود الثامن: المالكي والصفارة الثالثةً

 علي حسين ينشغل المواطن العراقي هذه الايام بمتابعة مباراة حاكم البيت الأبيض دونالد ترامب، مرة يعتقل رئيس دولة، ومرة يقرر الاستيلاء على جزيرة ء، ومرات كثيرة يصر ان يضع العالم في جيب سترته...
علي حسين

باليت المدى: روح محمَّلَة بالأمل

 ستار كاووش في الطريق الى المكتبة العامة، لفَتَتْ إنتباهي بناية جميلة في نهاية الشارع القريب من مرسمي، لم يستوقفني فقط لون البناية الرمادي الهاديء أو الزهور المحيطة بالمكان، بل اليافطة برتقالية اللون التي...
ستار كاووش

القبضة الأمنية وتآكل الدور الدبلوماسي العراقي

حسن الجنابي 1-4 حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، أمكن الحديث عن مسار دولة يسعى –بتعثّر وفي ظل طبيعة استبدادية واضحة – إلى بناء مؤسسات مدنية وإدارية، مستنداً إلى توازنات اجتماعية واقتصادية ناشئة ونزاعات قابلة...
حسن الجنابي

الإعلام حين يفتقد الدراما

ابراهيم البهرزي لنتفق اولاً بانه لا توجد قناة فضائية بريئة تمامًا. فملايين الدولارات التي تُنفق على بناء استوديوهات، وأجهزة بث، واشتراكات في أقمار صناعية واجور عاملين وفنيين لا تُدفع من أجل الحقيقة وحدها؛ فالحقيقة...
ابراهيم البهرزي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram