TOP

جريدة المدى > عام > قطار الى سمرقند.. سرد يمزج الحقائق التاريخية والخيال الأدبي

قطار الى سمرقند.. سرد يمزج الحقائق التاريخية والخيال الأدبي

نشر في: 26 يناير, 2026: 12:01 ص

علاء المفرجي
الرواية تدور أحداثها في فترة ما بعد الحرب الأهلية الروسية، خلال مجاعة أهلت ملايين الأرواح بين عامي 1921–1922، وتركز على تجربة إنسانية فريدة وسط هذه الأزمة. وهي ليست مجرد قصة سفر عادي، بل هي رحلة إنسانية مؤلمة عبر مجاعة الدولة السوفييتية الناشئة، حيث يُنظَر إلى المشهد بوصفه لحظة تاريخية متجسّدة في أفعال وشخصيات حقيقية أو شبه حقيقية.
ففي الوقت الذي يعاني فيه ملايين الروس من الجوع والحرمان، تقرر السلطات إجلاء مجموعات من الأطفال الأيتام من مناطق المجاعة الفظيعة في حوض الفولجا الى مدينة سمرقند في آسيا الوسطى التي لم تَتعرض للمجاعة نفسها، وذلك على متن قطار طويل محفوف بالمخاطر والأمل.
هؤلاء الأطفال، البالغ عددهم حوالي 500 يتيمًا من خلفيات مختلفة، يمثلون البراءة المنكوبة والمآسي الجماعية التي خلفتها الحرب والثورة والفقر.
الشخصية المحورية في الرواية هو دييف، وهو شاب ضابط سابق في الجيش الأحمر، موكل إليه قيادة القطار. يمثل دييف المتناقضات البشرية في تلك الحقبة: من كان جزءًا من آلة الثورة، يصبح الآن رمزًا للإنقاذ والرعاية. يتصارع داخليًا مع الجرائم التي ارتكبها في الماضي وبين الحاجة إلى فعل الخير في الحاضر.
أما شخصية بيلينا ممثلة لجنة الأطفال، فهي ممثلة اللجنة التي تشرف على الأطفال. تختلف مع دييف في فلسفته في التعامل مع هؤلاء الصغار: هي قوية الإرادة وملتزمة بالإيديولوجيا الثورية بينما دييف أكثر إنسانية وشفقة. يُظهر تباينهما جدلاً أعمق حول ماهية الرحمة والواجب الإنساني مقابل الإيديولوجيا السياسية.
الرحلة في رواية قطار الى سمرقند كرمز سرديـ فالقطار ليس مجرد وسيلة تنقل، بل رمز للانتقال من الموت إلى الحياة، ومن اليأس إلى الأمل: يبدأ الرحيل من منطقة الفولجا الممزقة جراء المجاعة والحرب، ويمتد عبر مناظر طبيعية شاسعة: غابات وأنهار وسهول وصحاري آسيا الوسطى. سمرقند هنا تمثل الملاذ والحرية؛ مدينة الأمان التي تنجو من بطش الجوع والموت. خلال الرحلة يواجه الركاب صعوبات قاسية: نقص الطعام والمياه، الأمراض، العواصف الرملية، والتحديات الاجتماعية، كل ذلك يختبر قدرة الإنسان على الصمود ورحمة الآخرين.
الرواية تسلّط الضوء على مأساتين متوازيتين، هما المجاعة وصراع البقاء، حيث المجاعة التي تلت الثورة الروسية لم تكن مجرد ظرف اقتصادي قاسٍ، بل كانت قوة تدمر العلاقات الاجتماعية والأمن الأسري، تدفع الآباء إلى ترك أطفالهم أو موتهم، وتدفع الأطفال أنفسهم إلى اختبارات لا تُحتمل. ولكن على الرغم من الظلام التاريخي، تبقى الرواية مفعمة بـنور الإنسانية: التضامن بين الأطفال، تضحيات دييف وبيلينا، ولوحات الأمل الصغيرة التي تظهر في تفاصيل الحياة اليومية.
المؤلفة في هذه الرواية تعتمد في السرد على مزيج من الحقائق التاريخية والخيال الأدبي. تستند إلى أبحاث واسعة في الأرشيفات، وتُدخل تفاصيل واقعية عن أسماء الأطفال وقصصهم، لكنها تثري ذلك بـ لغة حيّة تأسر المشاعر وتثير التأملات.
من أهم الموضوعات الكبرى التي تتناولها الرواية هي الذاكرة الجماعية والتاريخ المنسي، فالمجاعة في روسيا، رغم حجمها الكبير، لا يتم تناولها كثيرًا في الأدب الروسي الحديث؛ المؤلفة تضعها في صلب الرواية. والموضوعة الأخرى هي الأبوة البديلة والإنسانية المشتركة، حيث التحولات في العلاقات بين الراشدين والأطفال، وكيف يصبح الرفق بالآخرين دافعًا للنجاة.
"قطار إلى سمرقند" الصادرة ترجمتها عن دار المدى من خلال تحسين عبد الرزاق، هي أكثر من رواية تاريخية؛ إنها ملحمة إنسانية تصور محنة جماعية في لحظة فارقة من تاريخ روسيا، من خلال عيون أطفالٍ وتقاطع قصصٍ فردية مع التاريخ الكلي. تعكس الرواية تحديات الإنسانية في مواجهة القسوة، وأمل النجاة رغم الظلام.
وغوزيل ياخينا (مواليد 1977) هي روائية روسية معروفة، لاقت أعمالها شهرة واسعة ونالت جوائز أدبية مهمة عالميًا. اشتهرت بروايتها زليخة تفتح عينيها التي لامست موضوعات الذاكرة التاريخية والهوية. في عام 2023، أصدرت روايتها الثالثة «قطار إلى سمرقند» التي حازت جائزة القارئ في الجائزة الروسية الكبرى "الكتاب الكبير" وقد تُرجمت إلى عدة لغات.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

الـهـويـّة الـوطـنـيـّة: صراعٌ آيديولوجيٌّ أم ضرورة وجوديّة؟

قبل رفع الستار عن دراما رمضان: ما الذي يريده المشاهد العربي؟

بروتريه: حسين مردان.. بودلير العصر

"حمل كاذب".. نظرة سياسية على الربيع السوري

في الذكرى العاشرة لرحيل عميد الصحافة العراقية: فائق بطي.. الصحفي الباحث عن الحقيقية لا المتاعب

مقالات ذات صلة

إرث ما بعد الدراما..أوروبا تراجع ونحن نزايد؟
عام

إرث ما بعد الدراما..أوروبا تراجع ونحن نزايد؟

ناصر طه 1-2 قبل أن نتحدث بتفصيل عن مسرحنا العربي خلال العقدين الماضيين ونحلل هيمنة العروض الـ " ما بعد درامية " على خشباتها حد إغراقها مهرجانيا علينا أن نشير إلى أن أوروبا معقل...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram