TOP

جريدة المدى > عام > الفنان العُماني حسين عبيد ترسيم حدود المشهد البصري وتشظيته

الفنان العُماني حسين عبيد ترسيم حدود المشهد البصري وتشظيته

نشر في: 26 يناير, 2026: 12:03 ص

كريم سعدون*
يسجل الحقل التشكيلي العُماني حضوراً لافتا لمجموعة من الأسماء التي وجدت لها مكانة مستحقة في المحافل الفنية، على الصعيد المحلي والعربي والدولي. عبر نشاطات كثيفة سواء أكان ذلك في المعارض الشخصية أو في المعارض الجماعية، مما يبدو للمتابع منذ الوهلة الأولى اهتمام فنانو عُمان بملامسة البيئة العُمانية وماتحويه من إرث تأريخي محلي مُشبّع بالعلامات التي تصلح لإستعارتها وتضمينها في المتن البصري المنجز، ويُعدّ الفنان حسين عبيد من الفنانين الذي سجلوا حضورا وازنا في هذا المشهد في منجزه الفني، الذي أشاده من خلال جهوده التجريبية، التي لاتخفي انتماؤها لجذور التجربة التشكيلية العربية الحديثة.
إن المشهد البصري الذي يصنعه الفنان حسين عبيد يحفل بحضور طاغٍ للإستعارة، ويمكن لمتلقي أعماله المعروضة أن يتفاعل معها، ذلك لمعرفته المسبقة بخصائصها وإدراكه لتفاصيلها، حيث تتضمن هذه الاستعارة ملامح البيئة العُمانية المتميزة بكونها بكرا، والتي تتأتى من هيمنة الطبيعة الخاصة بها، فهي بيئة فريدة في تشكُلها إذ أنها تجمع ما بين النقائض، من بحر يحتفظ بأسراره إلى صحراء تحتضنه، وتضم على نحو فريد في تشكيلاتها المكانية، العراقة والحداثة في تجاور مدهش.
يكمن التميّز الذي حققه الفنان عبيد، في صياغته لمتنٍ بصري حقق به حضورا لافتا، فهو ينبني على الاهتمام بالسطح التصويري، كذلك يستخدم تكنيكاً مناسباً مبتكرا له لمسات خاصة تنأى به عن المألوف من الأعمال الفنية التي تستخدم المفردات العلامية ذاتها في بنيتها، بمقدار ما يقترب بها من ذائقة المتلقي المحلي، والعربي أيضا، مما جعل أعماله تحت عين الاحتفاء دوما.
يغتني المتن البصري الذي ينجزه الفنان بما يضمّه من بنية علامية مؤثرة، تنهل من مصادر يمكن تشكيلها في بنية العمل الفني، فالبيئة التي ينهل منها استعارياً، غنية بالسطوح التي تشكل موردا في تشكلاتها العفوية غالباً، إذ لا يخلو جدار من البيوت التي ترتصف في أحياء مدينته من أثر لمرور الزمن عليها، أو الآثار التي تتركها الأيادي المارّة عبرها، أو حتى من عبث الأطفال ولعبهم. ولاشك إن ميزة الفنان هي في تمكنه من إظهار واخفاء العلامات التي يختزنها كدلالة، وإدخالها في مختبره التجريبي ليصل بها إلى المستوى الذي يؤهل العمل الفني المنجز لأن يكون حاضرا ومكتفيا بها.
يحافظ الفنان على الإرث العالق بذاكرته من المكان الذي ولد فيه وترعرع وسطه، ويجرب أن ينتقي منه تفاصيل تشكّل معادلاً موضوعياً للتغييرات الحاصلة في الحياة بشكل عام، أو المكان في تحولاته، في محاولة للحفاظ على معادل لقيمة الأثر الذي يمثّل هوية مشتركة. تأخذ موقع مضاد تجاه محاولات الاندثار والتطورات التي حملت إشارات التغيير للبيئة وموجوداتها، بوصفها الضامن لقيم المجتمع ولروح الطفولة النقية.
إذن، يسعى الفنان عبيد في مجمل مشروعه البصري إلى تفعيل حساسية عالية إزاء ما صادفه من تلك الإشارات التي رسخها الزمن على سطوح الجدران والمباني، علاوة على تأثير البيئة وتقلباتها على الممرات التي تتسلّل منها أعماله البصرية، بوصفها وسيلة للحفاظ على روح الانتماء وترسيخها، وهذا عينه ما تعكسه عوالمه اللونية، كتعميق لإيمانه بأهميتها في استمالة ذاكرة المتلقي، فتظهر على سطوح أعماله في علاقات تجاور تمكنها من أن تفصح عما ينشده الفنان سواء كان ذلك في قيمتها الدلالية أو الجمالية، كونه يمتلك معرفة تؤهله لأن يعمق حضوره العلاميّ المنتقى، وقدرته على إدامة بثها في محيطها الجديد.
إن المتابع لأعمال الفنان عبر زمن تجربته يلاحظ امتداداً طبيعياً لميزاتها، ففيها استخدام لكل مامتاح له في خزين الذاكرة من اللون المختار الى الإشارات المنتقاة الى الحرف، فحين يستخدم الحرف مثلاً ويحركه افتراضاً داخل بنية العمل الفني المحدودة، من خلال إجراءات تقنية يريد منها التميز إسلوبياً، فهو إذ ينقله من سياق دلالي معين الى سياق معرفي وجمالي جديد لايريد منه اشتغالا تقليديا وانما يخلق له بنية تستمد حضورها الباث من مجاوراتها ويحمله دلالات مغايرة لوظيفته، لتصبح محملة بعاطفة وروحانية، يجد فيها المتلقي والمهتم بحثاً جاداً في قيمة الهوية المحلية وارتباطاتها بمحيطها العربي.
إن هذا البحث يعدّ واحداً من أهم الإشكالات الحاضرة في فضاء الفن في العصر الراهن، والذي يأخذها إلى مسارات تبتعد به كثيرا، ويمكن القول أنه وصل إلى حدود من التطرف في طروحاته ومنجزات الفنانين المعاصرين. ولكن ذلك لم يشكل إزاحة للبحوث التي تجري في بلدان مختلفة، لتثبيت سمات شكلية تمتلك خصوصيتها، بل يمكن عدّها تعزيزا للاختلاف الذي يتَخَلّق منه التفاعل الضروري ما بين المحلي والعابر لها.
إن البناء الشكلي في أعمال الفنان يحيلنا إلى أهمية إعمال الخيال في إنجازه؛ لكون منطقة اشتغاله تتطلّب دقّة في الاختيار، وعدم الركون إلى حلول معينة في تكوين بنية العمل الفني، فهو في تجربته على سطح العمل يحاول أن يكون السطح حاويا لطبقات من اللون التي تتعايش عليه، وتشكّل هذه الطبقات أرضية، تؤكد العلامة وجودها وتحتفظ بفضاء ضروريا لبثها، ويوظف الفنان التشظية للكتلة في أعماله للحصول على أكبر تأثير يمكن أن يمثله على الذائقة ويوسع من مديات التفاعل والتأويل. والمشاهد للحدود التي يضعها الفنان بين كتل تحتل فضاء العمل، وتشكّل رابطا لها، لكون الاشتغال اللوني الذي يشير إليه من استدراج ودمج للبيئة المستعارة، والتي تُشَكّل وفقا لإنتقائية مقصودة، لابد أن يحيله إلى تأمل وتفاعل ووصول إلى لذة الاكتشاف في فهم مقاصد الفنان. كذلك نجده يتعمد في بعض أعماله أدخال ترتيب الكتل وفقا لصيغ تصميم بقصدية ووعي تام لأثرها، فترسيمه لحدود المشهد البصري يمنحه حرية كافية لتوصلاته الأسلوبية.
إن الإمعان في تجربة الفنان حسين عبيد يجعلنا نلمح فيها ذلك السعي الدائم إلى تقديم منجز شخصي يضمن فيه فرادة معينة، فهو لايقدم عملاً جماليا خالصا مكتفيا بذاته فحسب، حتى في تجريده، إنما ينشغل في بحث تجريبي لتوكيد التركيز على حضور الإشتغال الذهني الذي يهتم بتوجيه بوصلة المتلقي لأهمية الحفاظ على ما تبقى من الإرث المحلي لقيمته المتعلقة بالهوية، بعدّ ذلك الإرث هو الهوية الضامنة لوجوده الإنساني.
فنان تشكيلي- السويد *

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

الـهـويـّة الـوطـنـيـّة: صراعٌ آيديولوجيٌّ أم ضرورة وجوديّة؟

قبل رفع الستار عن دراما رمضان: ما الذي يريده المشاهد العربي؟

بروتريه: حسين مردان.. بودلير العصر

"حمل كاذب".. نظرة سياسية على الربيع السوري

في الذكرى العاشرة لرحيل عميد الصحافة العراقية: فائق بطي.. الصحفي الباحث عن الحقيقية لا المتاعب

مقالات ذات صلة

إرث ما بعد الدراما..أوروبا تراجع ونحن نزايد؟
عام

إرث ما بعد الدراما..أوروبا تراجع ونحن نزايد؟

ناصر طه 1-2 قبل أن نتحدث بتفصيل عن مسرحنا العربي خلال العقدين الماضيين ونحلل هيمنة العروض الـ " ما بعد درامية " على خشباتها حد إغراقها مهرجانيا علينا أن نشير إلى أن أوروبا معقل...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram