ستار كاووش
في الطريق الى المكتبة العامة، لفَتَتْ إنتباهي بناية جميلة في نهاية الشارع القريب من مرسمي، لم يستوقفني فقط لون البناية الرمادي الهاديء أو الزهور المحيطة بالمكان، بل اليافطة برتقالية اللون التي عُلِّقَتْ على واجهة البناء وكُتِبَ عليها بخط أبيض جميل كلمة واحدة فقط هي (الجيران)، فما هو المقصود بهذه الكلمة هنا؟ وأن كان ثمة جيران من نوع ما، فهل يحتاجون الى يافطة؟ إقتربتُ من البناء أكثر وقرأتُ بعض التفصيلات والمعلومات التي كُتبت في إعلان مُثَبَّت على زجاج النافذة، فإتضحَ أن هذا المكان ما هو سوى مشروع جديد إستحدثته البلدية في مدينتنا، مثلما قامت بذلك كل المدن والقرى في هولندا تقريباً. أصابني الفضول وروح الإكتشاف، فدخلتُ البناية وتجولتُ قليلاً بين الطاولات الجميلة والكراسي المصففة بعناية، حيث تناغمت درجات اللون البرتقالي وغطت كل شيء تقريباً، فيما إستقر في العمق مكان مخصص للمشروبات والقهوة والشاي وكل ما يرغب الزائرون في شربة وتناوله.
لكني مازلت أبحث عن أجوبة لتساؤلاتي، فوقفتُ وسط هذا المكان اللطيف وأنا أردد مع نفسي: (ما معنى الجيران هنا؟ وما هي أسباب إقامة مثل هذه المؤسسة التي تبدو مثل بيت واسع وكبير، وفوق هذا، ما أن تدخلها تشعر بالراحة والطمأنينة؟)
لم يكن هذه المكان الذي إستحدثته البلدية، سوى بيتاً مفتوحاً لمن يشعر بالوحدة وليس لديه من يشاركه الحديث، أو يتقاسم معه يومياته، أنه مكان مفتوح لمن لا يجد أحداً يهتم لأفكاره ووجوده. مكان يفتح أبوابه بكل ترحيب لكل شخص يشعر باللامبالاة والإهمال أو الإنزواء. وقد أفتتحت هذه البيوت في هولندا لأنكَ بكل بساطة لا يجب أن تكون وحيداً في هذا العالم، ولا يجب أن تخدشك العزلة. فالمحبة علينا تقاسمها، والعاطفة تتسع للجميع. فهل ترغب بالحديث لأحد؟ هل تريد أن يستمع إليك إنسان ما؟ فمرحباً بك هنا في مؤسسة الجيران، حيث يوجد هنا من يستمع إليك بشكل جيد ويشاركك هواجسك وأحزانك ومعرفة بعض مشاكلك أو حتى أفراحك.
الطابق الأرضي في هذا البيت هو مخصص لإستقبال الأشخاص الجدد، حيث تُقدم لهم القهوة، وهناك من يستمع لهم ولما يحتاجونه من عون أو مساعدة واهتمام، حيث يوجد متطوعون يتمتعون بلطف كبير وخبرة واسعة، مهمتهم الرئيسية هي الاستماع لحديث الضيوف وهمومهم. لا تتردد بالدخول الى هنا، فما ان تطأ قدمك المكان حتى يحيط بك الدفء، مثلما تتسرب رائحة الحساء من المطبخ الخلفي الذي يعدّونه لك مجاناً. وهناك صالة للقيام ببعض النشاطات والألعاب. المشاركة هي روح هذا المكان والتواصل بمحبة هو هدف هذا البيت، هنا يشعر الجميع بقيمة حقيقية هي قيمة الإنسان، في هذه البقعة الصغيرة يحس الجميع بالتقدير حيث تنبعث الابتسامات والضحكات والإيماءات التي تقول الكثير عن التفاعل الجميل بين الناس.
البعض يحلم أثناء نومه، وحين يصحو تكون أحلامه قد تبددتْ بعيداً في ظلام الليل، لكن هناك من يحلم بأهداف يراها واضحة أمام عينيه ويحاول أن يجعلها حقيقة واقعة، لتكون حياته أجمل وأفضل، نعم هناك من يجعل حلمه مشروع حياة وهدف لمستقبل جميل، مثلما يحصل أمامي في هذا البيت. والأمر لا يتطلب معجزات أو إمكانات خارقة، بل يحتاج الى روح محملة بالأمل والمحبة وناس يفتحون أذرعهم للآخرين إن كانوا جيراناً أو حتى غرباء، وهنا لم تتوقف المحبة عند سابع جار كما يقول المثل، بل ذهب الأمر بعيداً كما هي هذه البناية المفتوحة لك في كل وقت، حتى لو كنتَ على بعدِ ألفَ جار؟
التواصل الاجتماعي الحقيقي برأيي ليس في مواقع التواصل، بل رأيته هنا في هذه البناية التي أقف وسطها، حيث شعرتُ به يُكمنَ في الحوارات الدافئة مثل القهوة التي يقدمونها بموَدَّة عالية، هنا تقترب العلاقات بين الناس أكثر مهما تباعدت المسافات بين البشر ومهما تغيرت جذورهم وتعددتْ دياناتهم وإختلفتْ ألوانهم. فليس هناك أجمل من أن يشاركك أحداً ما همومك وما تريد البوح به. الناس لبعضها ومشاركتنا الآخرين بالحديث واللقاء، والسماح للمتعة بالتسرب بين أحاديث الناس، يجعلنا ناس أصحاء وجميلين، وطيبين أيضاً. الدعم هو كل ما نحتاجه في حياتنا جميعاً.
رغم ما يمر به العالم الآن من أزمات، فهناك الكثير من المشاريع التي يمكننا أن نقوم بها ونبتكرها ونقدمها الى الناس بمحبة، لنقرب بينهم ونساهم في تطمينهم وتذكيرهم الى أننا جميعاً نعيش في هذا العالم. والأمر لا يُكلف كثيراً لكن نتائجه مذهلة ورائعة. حتى فنجان القهوة حين تتقاسمه مع أحد ما، لا يعني القهوة بحد ذاتها، بل يعني التواصل مع الآخر وتقاسم الحوار والحديث وحتى الهموم معه. نظرة عين كافية لتبني الثقة والمحبة بين الناس، هذه الثقة التي نحتاجها الآن أكثر من أي وقت مضى.









