TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > النكوص الرجعي في بنية الأحزاب العراقية

النكوص الرجعي في بنية الأحزاب العراقية

نشر في: 27 يناير, 2026: 12:01 ص

د. أمجد السوّاد

لم تُنشأ الأحزاب السياسية الحديثة بوصفها تجمعات ولاء أو أطرًا قرابية، بل باعتبارها مؤسسات إنتاج فكر وسياسات تتفاعل مع المجتمع، وتحمل آليات للمساءلة والتجديد.
غير أن التجربة العراقية لم تسلك هذا المسار؛ بل شهدت نكوصًا واضحًا من منطق الحداثة السياسية إلى نمط أقرب إلى أوليغارشية مغلقة ومنحى رجعي في التنظيم الحزبي.
منذ بداية التعددية الحزبية في العراق بعد 2003، برزت أحزاب عديدة على الساحة، بعضها ظل مرتبطًا بالمعارضة، وبعضها وصل سريعًا إلى السلطة. اللافت أن نمو كثير منها كان في سياقات القمع والمعارضة، لا في ممارسات السلطة الذاتية، وهو ما يشبه ظاهرة "حشيش الحدائق" الذي يزداد انتشارًا كلما قُصَّ أكثر — نمو تحت الضغط، لكنه يفتقر في الوقت نفسه إلى بُنى تنظيمية داخلية.
لم يقتصر النكوص التنظيمي في الأحزاب العراقية على حزب واحد أو سياق واحد؛ بل يمكن تتبعه عبر تجارب مختلفة في الإقليم والمناطق السنية والشيعية على حدّ سواء، مما يؤكد أن ما حدث ليس مجرد حادث عَرَضي، بل اتجاه منهجي في البناء الحزبي نفسه.
في الإقليم الكردي، تعكس التجربة أن الهيمنة العائلية على الحزب ليست مجرد قول، بل واقع منظَّم. فالحزب الديمقراطي الكردستاني (KDP) أصبح، بمرور الزمن، مرتبطًا بشخصيات وامتدادات عائلية واضحة لعائلة البارزاني، التي تكرّست قيادتها عبر أجيال متتالية، ما قلّص من مساحة التداول والاختلاف الداخلي.
بالمثل، شهد الاتحاد الوطني الكردستاني (PUK) تموضعًا مركّزًا لعائلة الطالباني داخل هياكل القرار، وهو ما تم توثيقه في تقارير سياسية وتحليلية، ويُظهر أن الولاءات الشخصية والأسرية غلبت على ولاءات الهيكل التنظيمي والأطر الحزبية.
حتى الحركات المنافسة مثل حركة بزوتنه‌وه‌ي گۆڕان (التغيير) حاولت تقديم نموذج أكثر حزبية وتنظيمية، لكنها فقدت كثيرًا من حضورها لاحقًا، ليس لأسباب أيديولوجية، بل بسبب الهيمنة السياسية والاجتماعية للأحزاب الأكبر داخل البيئة الكردية السياسية.
في المناطق السنية، برزت حركات أصبحت مرتبطة بشخصيات عائلية واضحة، مثل الحلبوسي وعائلته، والخنجر وعائلته، بما يعكس ميلًا نحو تحويل الكيانات التنظيمية إلى امتدادات لعلاقات قرابة ونفوذ محدودة، بدل أن تبقى أطرًا للولاءات السياسية أو مشاريع الخدمة العامة. في هذه الحالة، أصبح الولاء للحزب مرتبطًا مباشرة بالقيادة العائلية، وليس بالبرنامج أو المشروع السياسي.
أغزر التحولات وأكثرها عمقًا حدثت في حزب الدعوة الإسلامية. قبل 2003، كان الحزب يتمتع بهيكل تنظيمي متنوع: قيادة مركزية متعددة الرؤوس، ومجلس شورى مركزي، وآليات داخلية واضحة لمراجعة القرارات والتداول السياسي.
لكن بعد تولي الحزب السلطة، خصوصًا منصب رئاسة الوزراء، بدأ ميزان القوى يتغير داخليًا. قوة السلطة التنفيذية طغت على قوة البنية التنظيمية الحزبية، حتى وصل الوضع إلى تركيز الصلاحيات بشكل فعلي في يد الأمين العام، وهو ما أدى إلى إفراغ الحزب من وظائفه الفكرية والتنظيمية.
النتيجة: الحزب الذي كان مساحة للنقاش وإنتاج الاستراتيجيات الوطنية أصبح أداة لإعادة إنتاج الولاءات العائلية والامتيازات الشخصية.
في الديمقراطيات الحديثة، يُدار الصراع السياسي بين اليمين واليسار بأساليب متطورة، وتتنافس الأحزاب على السياسات والخدمات ضمن أطر تنظيمية تسمح بتداول القيادات.
في المقابل، في العراق، أصبحت الأحزاب امتدادًا للسلطة والعائلة، بدل أن تكون أدوات لإنتاج حلول سياسية وخدمية.
الأحزاب التي فشلت في تطوير أدواتها التنظيمية والفكرية ساهمت في تحوّل بنيوي في علاقة الدولة بالاقتصاد والطبقة.
العراق يُدار رسميًا باعتباره دولة ريعية ذات طابع "اشتراكي إداري"، غير أن هذه الدولة أنتجت عمليًا رأسمالية أوليغارشية مغلقة، تُدار بمنطق القُربى والولاء.
نتج عن ذلك: طبقة أوليغارشية حزبية عائلية في القمة، وطبقات رأسمالية طفيلية مرتبطة بالسلطة، وقاعدة اجتماعية واسعة بلا حراك سياسي حقيقي.
في ظل هذه البنية، يفشل الحزب في إنتاج فكر أو حلول عامة، ويتحوّل إلى أداة طاعة لا تقبل النقد.
وهكذا تحوّلت الأحزاب العراقية من مؤسسات حديثة إلى سلالات سياسية مغلقة.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل يمكن لأحزاب تُدار بمنطق القرون الوسطى أن تعمل داخل دولة في القرن الحادي والعشرين؟
أم أن هذا النكوص الرجعي بات أحد أعقد العوائق أمام تشكّل سياسة حديثة في العراق؟

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 1

  1. لؤي الموسوي

    منذ 4 أسابيع

    للأسف حزب الدعوة أثبت فشله في كل مره يتسلم فيها السلطة حتى أوصل البلد إلى حالة شبيهة بالخراب ورغم ذلك اصبح متمسكا بالسلطة بشكل جنوني

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: الجواهري ونوري سعيد و"الزعاطيط"

فرانسو حريري.. سيرة مناضل حمل التعددية في قلبه ومضى

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: ضد واشنطن .. مع واشنطن

 علي حسين قبل اشهر من هذا التاريخ خرج علينا ائتلاف دولة القانون ليعلن أن تحركات السفارة الأمريكية في العراق مخالفة للعرف الدبلوماسي، وقبلها اخبرنا السيد رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي في حوار...
علي حسين

قناطر: البصرة: مالك النخل والناطور

طالب عبد العزيز ماتزال خريطة خليج البصرة أو خليج عُمان أو الخليج العربي أو خليج فارس ماثلة في أعيننا، نحن طلاب المرحلة الابتدائية، منذ أكثر من ستة عقود، وهي تشير الى إمارات الخليج باسم...
طالب عبد العزيز

المشكلات البيئية والدورة النيابية السادسة في العراق

د.كاظم المقدادي كشفت الدورة النيابية السادسة ( الحالية) خلال تشكيل لجانها النيابية الدائمة، بأنها لا تختلف عن سابقاتها من حيث الموقف السلبي من المشكلات البيئية وتداعياتها الخطيرة على المجتمع العراقي. وهو ما يستوجب تذكير...
د. كاظم المقدادي

صراع وجودي بين دعاة الوطنية العراقية واللاوطنية

د. حيدر نزار السيد سلمان تدور في هذه المدة التاريخية واحدةٌ من أشرس المعارك الثقافية في تاريخ العراق الحديث والمعاصر بين نزعتين متعارضتين؛ يمثل الأولى العراقيون الذين يرون بلدَهم سيدًا مستقلًا كامل السيادة يقوم...
حيدر نزار السيد سلمان
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram