علاء المفرجي
الطفولة مصدر مهم للخبرات الإبداعية، فقد أظهرت الدراسات أن التجارب المبكرة في الحياة، سواء كانت سعيدة أو مؤلمة تصبح مواد خام للإبداع الفني والأدبي عند البالغين. هذه التجارب تُخلّف ذكريات عاطفية ملونة تُعاد معالجتها في النصوص الأدبية أو الأعمال الفنية كموضوعات أو أساليب.
ذكريات الطفولة تُؤثر في الموضوعات التي يختارها الكاتب أو الفنان. وهي تُشكّل أسلوبه التعبيري وطريقة رؤيته للعالم. بمعنى آخر، الفن هو "سجل شخصي للخبرة الإنسانية في الطفولة" يُعاد تقديمه بصياغة فنية.
اما المكان الأول الذي ينشأ فيه الإنسان، البيت، القرية، أحياء المدينة لهما دور كبير في تشكيل إحساسه بالهوية والجمال. البيئة التي تنشأ فيها لغة الطفل، الثقافة السائدة، العادات والأمثال، وحتى الأصوات والروائح، تبقى محفورة داخل النفس وتُعيد تشكيل الحس الإبداعي لاحقًا في الحياة. هذه البيئة يمكن أن تكون مغذية للإبداع عندما تحفز القراءة والموسيقى والفنون داخل الأسرة أو المجتمع.
مكبِّلة عندما تفتقر إلى موارد ثقافية، ما يدفع الشخص إلى البحث عن متنفس إبداعي عبر الأدب والفن كوسيلة لتجاوز القيود النفسية.
وكانت لنا حوارات مع أدباء وفنانين، خبروا اثر الطفولة والمكان في حياتهم.
المؤرخ د. إبراهيم العلاف:. سبب ميلي الى التاريخ، أن والدي كان قارئا نهما ولديه مكتبة جيدة قرأت كثيرا منها.
ولدت في محلة رأس الكور في مدينة الموصل. ومحلة رأس الكور من محلات الموصل القديمة والعريقة فهي أصل المدينة وقريبا منها قلعة الموصل التي تسمى قليعات وتقع قبالة مدينة نينوى عاصمة الإمبراطورية الاشورية والموصل القديمة عمرها 10 الاف سنة وهي مدين آشورية او بالأحرى حصنا آشوريا دفاعيا يقع في غرب الموصل وعلى الجهة اليمنى من نهر دجلة الخالد. دخلت مدرسة ابي تمام الابتدائية للبنين وكان فيها معلمون كل واحد منهم كان مدرسة قائمة بذاتها وبعدها في المتوسطة المركزية ثم الثانوية الشرقية وهي أيضا من أقدم المدارس الثانوية في العراق. وسبب ميلي الى التاريخ هو ان والدي كان قارئا نهما وكانت لديه مكتبة جيدة قرأت كثيرا من كتبها ومنها كتب للدكتور طه حسين والأستاذ احمد أمين والأستاذ مصطفى صادق الرافعي وكان والدي عضوا في حزب الاستقلال بزعامة الشيخ محمد مهدي كبة وهو حزب عروبي قومي تأسس سنة 1946 وله فرع في الموصل. في محلتي رأس الكور التي ولدت فيها كان هناك اقدم جامع في العراق وفي الموصل وهو المسجد الجامع بني عندما فتحت الموصل في عهد الخليفة عمر بن الخطاب سنة 16 هجرية -637 ميلادية ويسمى اليوم (جامع المصفي) نسبة الى من عمره وهو محمد مصطفى مصفي الذهب.
الكاتب والروائي محمد غازي الاخرس: كانت الحياة نفسها مصدرا من مصادر معرفتي
- كثيرة بل كثيرة جداً هي المصادر التي شكلتني وحددت ملامحي. في غرفة أبي المطلة على الحديقة الجانبية، في بيتنا بجميلة الثانية، كانت هناك نافذة طولية عرضها أقل من متر وطولها متران. كانت كتب أبي تصطف وتزدحم فيها. تقع النافذة في زاوية، وكنت أجلس عندها يومياً، أقلب تلك الكتب بدهشة للآن لم تزايلني. كانت أمي تحذرني وتطلب منّي ألا أعبث بها، لكنني كنت أتيه معها كطفل يبحر في سفينة بحثا عن كنز مفقود. من بين تلك الكتب، أتذكر كتباً سميكة فيها صورة رجل ملتح. لاحقا عرفت إنه كارل ماركس. كنت أظنه رجل دين. في المكتبة أيضاً، صادفت أعداداً كثيرة من مجلة (التراث الشعبي). لم أكن أفهم منها شيئاً، فقد كان عمري لا يتجاوز العشر سنوات، إلا أنّ خيالي استثير بقراءة مجموعة قصصية لنجيب محفوظ عنوانها (بيت سيء السمعة)، لأول مرة أشعر أن هناك حياة تدبّ في الأوراق.
إضافة لتلك المكتبة، كانت الحياة نفسها مصدرا من مصادر معرفتي. كنت أتنقل بين بيئتين متمايزتين ففي الشتاء كنت أعيش في بيتنا بجميلة الثانية، التي هي جزء من بيئة مدينة الثورة (الصدر). وفي العطلة الصيفية أقضي أيامي في بيت جدي بمنطقة الشيخ عمر حيث ولدت. البيئتان متمايزتان، في الشيخ عمر، ثمة رائحة بغدادية للآن أحتفظ بها، بينما في جميلة الثانية وقطاع (٦٠) حيث مدرستي، مدرسة الشهيد عبد الوهاب، كانت هناك نكهة جنوب بريّ ما زلت أسيرها. كنت موزعاً بين البيئتين، أشعر بالانتماء لكليهما. كان بيت جدي أقرب بيوت (الدربونة) للمقبرة، وكنت أقضي ساعات ألهو بين القبور. لعل تلك المقبرة جعلت علاقتي بالموت علاقة غريبة. ذات مرة، شاهدت بأم عيني كيف قتل أحد الرجال اخته غسلا للعار، كانت حركته وهو يطبع بكفه الملطخة بدمها على الحيطان عجيبة بالنسبة لطفل في السادسة أو السابعة. حتى تبليط الشارع في الشيخ عمر كان يثيرني. في الصيف يغدو طريا، وكنت أعبث به بسكين صغيرة. في جميلة، كل شيء كان مختلفاً. كانت المنطقة أقرب إلى القرية منها إلى المدينة، رغم أن مساحة البيوت أكبر بكثير.
الشاعرة فليحة حسن: يعود تعلقي بالأدب الى ما بذرته بداخلي حكايات الأجداد عن الجان ومغامرات السندباد
يعود تعلقي بالأدب الى ما بذرته بداخلي حكايات الأجداد عن الجان ومغامرات السندباد التي كنتُ استمع إليها متى ما كان باستطاعتهم قصّها لي كهدية مسائية، بعدها صرتُ كلما صحوتُ من نومي وجدتُ الى جانب وسادتي قلماً وورقة مدوّن عليها بعض الجمل التي يمكنني الآن أن اسميها جملاً شعرية، وربما أيضاً يعود السبب في ذلك الى الهدية التي حصلتُ عليها من أبي كمكافأة لتفوقي ونجاحي الى المرحلة المتوسطة والتي كانت مجموعة نزار قباني الشعرية (قالتْ لي السمراء)، وحينها ولدتْ أول قصائدي أمنية: (كان بودي أن آتيكَ، لكن شوارعنا حمراء، وأنا لا أملكُ إلا ثوبي الأبيض ؛
المترجم والباحث امير دوشي: حصلت غلى مطبوعين مهمين اعادا صياغة فهمي للحياة والوجود
- حياة المرء تاريخ سعيه للرزق. وافكاره محصلة قراءة ومفهمة ذلك التاريخ. ولدت في بغداد، ونشأت في عائلة عمالية: كان ابي الكادح يملك في بيتنا مكتبة متنوعة: سياسة وادب وفلسفة. شكلت تلك المكتبة المقترب الاول لي لسبر الحياة. اكملت الدراسة الاولية في مدينة الناصرية والجامعية في بغداد, كلية الآداب قسم اللغة الانكليزية. في 1986 حصلت غلى مطبوعين مهمين اعادا صياغة فهمي للحياة والوجود: مجلة فصول المصرية, عدد خاص عن الادب والأيدولوجية والثاني مجلة الكرمل الفلسطينية عدد خاص عن مشيل فوكو: اعادة قراءة الحقيقة الفكرية الساطعة ان كل شيء أيديولوجي وان للحقيقة نظامها, اذ ان العلاقة متشابكة بين السلطة والمغرفة وحيثما وجد التسلط والقهر وجد الرفض والمقاومة. في 1991 وبعد نهاية حرب الخليج الاولى والقمع الوحشي للانتفاضة اذار اعدت قراءة كتاب لينين « الدولة والثورة» لاكتشف ان المطلوب في النشاط الفكري والسياسي ليس امتلال السلطة بل تهديم الجهاز السلطوي الغاشم وبناء سلطة عادلة. لكن الذي حصل بعد 2003 هو بناء سلطة المحاصصة الاثنية والطائفية. امضيت ثلاثة عقود مدرسا في الارياف, و رئيس لقسم اللغة الانكليزية في معهد المعلمين وبعد ذلك في معهد الفنون.
الفنان التشكيلي شوقي الموسوي: معارض شخصية هي مصادر ومراجع في نشأتي الاولى
لطالما كنت بحاجة الى التعبير عن الافكار والمشاعر تجاه المحيط منذ طفولتي، وكنت مولعاً باللعب ومتعته والتفاعل مع أقراني، لأنني محاط بالأخوة في البيت والاصدقاء من الجيران والزملاء في المدرسة وأعشقُ استكشاف المحيط الذي يحتويني.. من هنا وجدتُ أن فن الرسم يحقق ما تقدم ويمنحني الحرية في التعبير، سواء أكان الرسم أداة تعبيرية أو لغة تفاهم مع ذاتي ومع المحيط وتكون لغة بديلة عن الكلام الذي يجد فيه الطفل صعوبة في ايصال الافكار.... وعبر مرحلة الابتدائية تم تدريب مهاراتي الحركية من خلال اللعب بالألوان ورسم الخطوط الحرة في المدرسة والبيت فصرتُ أعشق هذه اللغة وأداوم على الرسم بعد ان كان والدي رحمه الله يضع أمامي الالوان والاقلام ودفاتر الرسم كمكافئة مغرية مقابل النجاح.
وصولاً الى مرحلتي المتوسطة والاعدادية، تم اختياري من قبل المدرسين والمدرسات للرسم بالطباشير الملونة على السبورة لبعض الوسائل الايضاحية. فمثلاً تجدني في مادة الاحياء أرسم أجهزة الكائن الحي (الهضمي والعصبي والتنفسي) وفي مادة الجغرافية ارسم الخرائط بينما في الهندسة أرسم الزوايا والارقام وهكذا... مما منحني ثقة في النفس وتنمية لمهاراتي (الامكنة والحيوات والاحداث..) وصولاً الى مرحلة الجامعة التي صقلت فيها موهبتي وطورت أدواتي ونضجت أفكاري من خلال اقامة سبعة معارض شخصية فيها والتي أصبحت بمجموعها بمثابة مصادر ومراجع في نشأتي الاولى والتي أسهمت في وضعي على المسار الصحيح في عالم الرسم ومنها انطلقت الى عالم الفن والفنانين.
الروائي محمد حياوي: قرأت كتاب ألف ليلة وليلة المدهش فأسرني، وصرت أعيش قصصه وأتفاعل معها
أثرّت نشأتي في مدينة الناصرية تأثيرًا كبيرًا على تجربتي وتخصيب مخيّلتي في الواقع. فقد عشت في كنف عائلة أخوالي وخالاتي وكانوا جميعًا من الطبقة الوسطى المثقفة وذوو ميول يسارية في الغالب، لهذا كانوا يحرصون على توفير مجلات وكتب الأطفال لي منذ نعومة أظفاري، على سبيل المثال، وأنا تلميذ في المدرسة الإبتدائية، قرأت أغلب أعداد مجلات سوبرمان وبساط الريح وطرزان وبونانزا وغيرها من المجلات المصورة الشيقة التي كانت تصدر آنذاك، ثم في مرحلة مبكرة قرأت كتاب ألف ليلة وليلة المدهش فأسرني، وصرت أعيش قصصه وأتفاعل معها، وأحيانًا آخذها إلى مسارات أخرى غير مساراتها في السياق، اعتمادًا على مخيلتي، وفي المحصلة، نمّت تلك المجلات المتنوعة لغتي، وألهب كتاب ألف ليلة وليلة مخيلتي، فكانت مزيجًا مثاليًا مهد فيما بعد لأولى إرهاصاتي الكتابية في القصة القصيرة، طبعًا بعد قراءة الكتب العظيمة لاحقًا، لكن أولى تجاربي في القصة كتبتها وأنا في سن السابعة عشرة على ما أعتقد، ولم أكن أعرف أين سأذهب بها، حتى قرأها مسؤولي في اتحاد الطلبة، فتحمس لها وكتب لي قصاصة توصية «إلى الرفاق في جريدة طريق الشعب»، وطلب مني الذهاب إلى هناك وتسليمها للقسم الثقافي، وهناك التقيت، على استحياء، الشاعر الكبير سعدي يوسف، وكان مسؤولا عن القسم الثقافي، فرحب بي وامتص خجلي وترددي وشجعني على المضي بالقراءة والكتابة، ليلعب هذا اللقاء دورًا محوريًا في حياتي الإبداعية فيما بعد، ولشدة دهشتي، فوجئت بقصتي القصيرة منشورة في طريق الشعب بعد مضي أسبوع على ذلك اللقاء، لتتحول إلى ما يشبه الصعقة التي حفزتني على المضي في هذا الهمّ الساحر، ولم أتوقف عن الكتابة منذ ذلك الحين.
النحات رضا فرحان: كنت أراقب مدرس الرسم حين يرسم خرائط العراق والوطن العربي.
دائما الطفولة هي النوافذ الاولى في إتجاهاتها وكينونيتها الإبداعية، أما أن يكون شاعرا او كاتبا او اديبا او قاصا، وأنا كانت بداياتي مع جارتنا ام هاشم التي كانت تصنع تنانير الطين في بيتها، وكنت صديق لابنها، كنا صغارا نلعب في باحة دارهم وهي تصنع تلك القطع الكبيرة المخيفة في وقتها، فكنت آخذ كمية من الطين وأشكل منها دمى أو أي شيء يخطر في بالي، من هنا كانت بداية عشقي للطين بشكل لا يوصف، عشقا لان اكون قريب من هذه المادة، وهنا بدأت أعمل أو أحب ان أكون نحاتا أو رساما.
في الدراسة الابتدائية بدأ الأمر، وان لمعلم مادة الرسم أثره الكبير عليّ، لاستاذ درس الفن او الرسم، كنت أراقبه حين يرسم خرائط العراق والوطن العربي، وكان يدهشنا حين يرسم عليها رموز المدن كمنائر النجف وكربلاء وسامراء وزقورة أور، وجاء التأثير الثاني والكبير خلال المرحلة المتوسطة من دراستي حين نجحت في صنع أول عمل لي من مادة الرصاص، وحصلت على جائزة المسابقة التي نظمتها وزارة التربية، من هنا كانت البداية، فكنت ارسم وأنحت لكني ميلي للنحت كان أكثر، فقد وجدت في مساحة أكبر للتعبير وفي إيصال أفكاري من خلاله، ما زلت أحتفظ ببعض الصور لأعمال جواد سليم، وكانت لوحه ليلة الزفة او الطبالون من الأعمال التي عشقتها، فقمت بتنفيذ أعمالا شبيهة لها وبنفس الروحية، كنا طلاب في ثانوية قتيبة في الصف الاول المتوسط، وكان لنا مرسم وأساتذة يهتمون بمادة الرسم بشكل رائع جدا، ومعظم التفاصيل التي تعلمناها في تلك المرحلة مشابهة الى حد كبير ما تعلمناه في المرحلة الاولى في أكاديمية الفنون الجميلة، مع فارق المساحات بكل تأكيد.
الناقد علي الفواز: التحول والتغاير كشف عن مساحة ملتبسة، سببها عدم وجود "مشروع نقدي عراقي"
بدأت علاقتي مع الكتابة النقدية بالقراءة، واكتشاف النصوص من خلال السائد النقدي الواقعي الذي فرض خطابه، وجعل من نقادنا المؤسسين ينحازون الى اطروحات تقليدية، والى منهجيات لم تخرج كثيرا عن « النقد الانطباعي» بحمولاته القرائية الفاحصة، كما عند علي جواد الطاهر وعبد الجبار عباس، ولا عن «الواقعية النقدية» و»الواقعية الاشتراكية» عند اغلب نقادنا – فاضل ثامر، ياسين النصير، شجاع العاني- بحكم هيمنة الايديولوجيا وطبيعة البيئة الحزبية، لكن هذه التوصيفات والتمثلات لا تعني موقفا من اولئك النقاد المعلمين، ولا عن حيوية جهودهم بالتأسيس، بل إنها كانت عتبات، اسهمت بالتمهيد لـ «ثورة نقدية» تجددت معها «هوية النقد» ذاته، حيث الانفتاح على منهجيات وترجمات جديدة، اسهمت بربط النقد بالفلسفة وباشتغالها المفاهيمي، وبالمعرفة واطروحاتها الجديدة حول النقد ما بعد البنيوي والتفكيكي، وصولا الى التحول العميق نحو إجراءات «النقد الثقافي» وفضاءات الدراسات الثقافية.
هذا التحول والتغاير كشف عن مساحة ملتبسة، سببها عدم وجود «مشروع نقدي عراقي» لا على المستوى الاكاديمي، ولا على مستوى الواقع الثقافي، وهذا ما جعل الكتابة النقدية تعيش متاهة «التجنيس» حدّ أنها بدت الأكثر قربا من «غريزة النقد» ومن الرغبة في احتواء تاريخ الكتابة، وتحويل النقد الى نوع متعالٍ من التفكير، أقصد التفكير بوصفه وجودًا.
وجدت نفسي وسط هذا العصف النقدي باحثا عن هوية لذلك التفكير، ولملامح الذات المفكرة، وربما البحث عن وظيفة أكون فيها شاهدا على ما يجري، قارئا اركولوجيا، ومراقبا لما يمكن أن يتبدى في المشهد الذي كان صاخبا، وحيويا، ومسكونا بشغف صناعة الاسئلة، لا سيما ما يتعلق بأطروحات النقد الجديد، ولما يحمله من هواجس، ومن تعالقات تخص الفلسفة، ومدى علاقتها بالتفكير، فضلا عن مدى علاقتها بالمفاهيم التي اغوتني كثيرا، وحرضتني على تجديد قاموسي النقدي، والتعرّف على النظريات التي نزعت عن النصوص رماد علاقتها البائدة بالمقدس والتاريخ وصورة الناقد المُفسر.
السينمائي حكمت داوود: تابعتُ نتاجات السينما العالمية عبر عروض السينما الجوّالة التي كنا تشاهدها اسبوعيا
اللحظة الأولى التي أتذكرها الآن، والتي جذبتني لعالم السينما، هي انتقال عائلتي من مدينة (القوش) في الموصل، الى محافظة الناصرية، كنتُ اسيرُ مع والدي في طرقاتها مبهوراً بأسواق وجدران وحركة الناس في هذه المدينة الجديدة على ما تراه عيناي قبل هذا الوقت. ذات مرّة سألت أبي عن اعلانات جذبت اهتمامي حتى صرتُ اتعثر بخطواتي وأنا أتمعن في صورها وألوانها وشخصياتها. أجابني أبي: إنّها اعلانات للدعاية عن افلام مصرية وأجنبية، إذ توجد في المدينة قاعتان لعرض الافلام السينمائية هي (سينما الاندلس) و(سينما البطحاء). وكانت هناك سينما صيفية مفتوحة، دائماً ما أسمع من بعيد نداءً يدعو المارة والعابرين لمشاهدة أفلامها، حتى إذا اقترب الصوت، أرى رجلاً يسيرُ وأمامه لافتة معروضاً عليها مجموعة من اللقطات موزعة على لوح مستطيل. كان هذا الرجل اسمه (كوزان) كانت عبارته الدائمة أن لا يضيّع العابرون والمهتمون الفرصة لمشاهدة هذا الفيلم العالمي. كنتُ أفرح كثيراً حين أرى هذا المشهد الممتع بالنسبة لي آنذاك. كان أهل المدينة ينامون على السطوح في الصيف ابتغاء برودة النسيم المتهادي من صوب (نهر الفرات) وهنا تبدأ متعة الاستماع للأصوات الآتية من سينما (البطحاء) الصيفي إذ كانت تبثّ أغاني أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش قبل بداية عرض أي فيلم سينمائي.
أما اللحظة الثانية التي كانت سبباً في حبي للسينما هي المشاركة في النشاطات الموسيقية والمسرحية إضافة الى استعارة الكتب من المكتبة المدرسية العامة والمجلات التي تتناسب مع اعمارنا في تلك السنوات،
أما المكتبات الخاصة فقد كانت تزودنا بالمجلات القديمة ومنها مجلة الحياة الأمريكية والتي تضم بين محتوياتها مواضيع متنوعة و منها حكايات المغامرين الأمريكان مع اختيارات لنجوم السينما الهوليوودية بحجم وطباعة جيدة وجميلة وقد كنت اقصها واعلقها على جدار الغرفة التي أعيش بها أنا وأخي الذي كان هو الآخر مغرم بصور الأدباء والشعراء والعلماء، هكذا كانت البدايات التي قادتنا إلى المشاركة في المسرح المدرسي بعد ذلك تابعتُ انتاجات السينما العالمية عبر عروض السينما الجوّالة التي كنا تشاهدها كل يوم خميس في الساحات العامة، إضافة الى الافلام التسجيلية وافلام الأطفال وافلام شارلي شابلن والأخوة ماركس مما كان لهم دور كبير في تطور السينما.
الروائي كريم كطافة: كنت انبهر بالصياغات الذكية والمركزة على الأخص في الروايات
- أظن أن القراءة المنوعة ساهمت بدفعي إلى الكتابة. كنت اقرأ كل ما يصل إلى يدي بلا نظام، وانبهر بالصياغات الذكية والمركزة على الأخص في الروايات، أعيد قراءة تلك الجمل والفقرات مرات، وأندهش لقوة اللغة في البوح والاختزال، أجد في الجملة الواحدة على قصرها طبقات من الدلالة والإيحاء. بالطبع هذا يخص الكتب الجيدة. وبدون تخطيط كنت أمرّن ذائقتي على عدم قبول الضحل والسطحي من الكتب. الأمر الذي جعلني لاحقاً اتعامل مع ما أكتبه بذات الطريقة، إعادة القراءة والتشذيب المتكرر قبل أن احصل على الانبهار ذاته في الصياغة.
أما لماذا الرواية تحديداً، برغم أني كتبت القصة القصيرة وغيرها من أشكال الكتابة عدا الشعر، فلأني أحببت الرواية عن سائر أشكال التعبير. لاحقاً وبعد سنين طويلة، سأفهم أن الرواية ما هي إلا محاكاة لأخطر قضية وجودية شائكة في وعي الإنسان، قضية الخلق أو قضية الإله الذي يخلق ويرسل التعاليم والوصايا والتهديد والوعيد لمخلوقاته وفق الميثولوجيات الدينية، لكنه برغم هذا لا يتدخل خلال حياة مخلوقاته، يترك الأمر إلى ما بعد الموت، أي إلى حين انتهاء الرواية الفردية لكل مخلوق. هذا أمر مذهل! عرفته لنفسي أنه (الخلق مع الحرية). أحببت هذا الخالق.
الطفولة والمكان مرحلة تأسيس جذري في الوعي
تُشكّل أسلوب المبدع التعبيري وطريقة رؤيته للعالم

نشر في: 27 يناير, 2026: 12:01 ص








