ناصر طه
(2-2)
قياس أي تجربة مسرحية يكمن في ثلاثة اختبارات أساسية لا مهرب منها الأول هو اختبار الصنعة وهذا يكشف فيما لو كان العرض يمتلك حقا أدواته الحرفية المتينة كالتمثيل المقنع والإيقاع المنضبط والدراماتورجيا المحكمة والتكوين البصري ذو الدلالة أم أنه يعاني من قصور تقني وجمالي واضح؟
والثاني هو اختبار الأثر وهذا يجيب عن سؤال مفاده هل العرض ينتج معنى أو سؤالا عميقا واضحا أو انفعالا يصل للمتلقي العادي الذي لا يحتاج لعضوية "جماعة القراءة النظرية" وفهم دليل مصطلحات العرض؟ أم انه محاصر بأحاج مغلقة لا يفك شفراتها إلا صانعوه وجوقة الأصدقاء المتخصصين في الجمعية؟
والثالث هو اختبار التواصل العام وهذا يفضح إن كان العرض قادرا حقا على العيش والاستمرار خارج دوائر المهرجانات ومدعويها من النقاد الذين يتسابقون في كيل المدائح الغامضة الاصطلاحات للصناع؟ بمعنى هل يستطيع العرض مواجهة جمهور متجدد عبر مواسم عرض حقيقية؟ وهل بإمكانه الصمود أمام حكم الزمن وتكرار المشاهدة أم أنه مصمم كطلقة وحيدة توجه لعينة نخبوية ثم يختفي؟
تطبيق هذه الاختبارات الثلاثة على عروضنا العربية سيجعلنا ندرك الهوة الكبيرة بين الادعاء والإنجاز الفعلي. فكثير منها لا ينجح في اختبار الصنعة (أداء وإخراجا وبناء)... ولا يحقق أثرا واضحا في المتلقي... ولا يجد حياة بعد مهرجانات التكريم! مما يثير سربا من علامات الاستفهام حول مصداقية الخطاب الذي يزعم "الريادة ما بعد الحداثية " لكثير من صناعنا الذين يلوحون به في كل شاردة وواردة.
ليس غريبا "في ضوء هذه الاختبارات" أن يشتد النزاع القديم-الجديد حول نخبوية العروض وانقطاعها عن المتلقي. في مقال نشر في جريدة البيان الإمارتية حمل عنوان " المسرح بين النخبوي والجماهيري... علاقة تضاد غير عادلة" سنجد كاتبه يرصد اتهام أنصار المسرح الجماهيري لخصومهم بـــ "التعالي على المتلقي" وهذا الاتهام سواء كان منصفا أم متحيزا...فإنه يضيء المنطقة الأكثر حساسية في المسرح والمتمثلة بعلاقة العرض بجمهوره! فالتحديث والتجريب الحقيقي يوسع مساحة المتعة والمعنى... أما حين يتخذ المسرح من التجريب ذريعة ليقف في مواجهة المتلقي فإنه يتحول إلى عزلة اجتماعية قوامها عرض يطلب من الجمهور أن يعتذر لأنه لم يفهمه... فيما يفترض أن يراجع صناعه أدواتهم ليحسنوا بناء الأثر وتكوين المعنى.
وتزداد المشكلة تعقيدا حين تتحول اللغة النقدية إلى حاجز بدل أن تكون جسرا! لأن النقد حين يفقد وظيفته التفسيرية... لا يضيء العمل ولا يختبره بل يرفع بينه وبين المتلقي ستارا من العبارات الجاهزة. يؤكد مختصون في التحقيق الذي أجرته جريدة " مسرحنا " أن بعض الكتابات النقدية تم "إغراقها بالمصطلحات».
ولا ينبغي في هذا الجانب تجاهل محاور مؤتمر قادم للهيئة العربية للمسرح يحمل شعار (نحو تأسيس علمي لمشروع النقد المسرحي العربي) إذ يلفت الانتباه فيه بوضوح أن المؤسسة نفسها تضع يدها على موضع العطب حين تدرج ضمن محاورها (الخصوصية المفتقدة في النقد المسرحي العربي والإطار العربي لمدارس النقد العربية وعيب التنظير والتطبيق) كما تسمي الجرح باسمه دون مواربة عبر محور آخر هو (أزمة المصطلح المسرحي والنقدي العربي التابع) وأتمنى أن لا تقرأ هذه المحاور بوصفها رأيا إضافيا في سجال قديم... بل بوصفها اعترافا مؤسسيا يكشف في منظومتنا النقدية والمسرحية طبيعة الخلل الذي يمكن اختزاله بجملة مفادها: أن الخطاب قد يتكاثر حيث تقل آليات الاختبار وأن المصطلح قد يتضخم حيث تضعف ضوابطه... فتغدو بعض العروض محمية بغموضها عمليا على الخشبة... ونظريا وبلغة نقد تبريرية بدل أن تبرهن على حرفيتها بخلق المتعة وبأصالتها في التواصل مع الجمهور.
هناك مفارقة خطيرة يمكن رصدها في عدد غير قليل من تجاربنا المسرحية العربية " التجريبية " تتمثل بحصول انقلاب وظيفي على معنى التجريب الذي يفترض أن يكون وسيلة لابتكار لغة مسرحية جديدة وتطوير الحرفة الفنية! فنراه عند مدعي التجريب هؤلاء حيلة لتجميل العجز في صناعة عرض احترافي بصنعة مدهشة وبناء يفجر المتعة. لهذا يسوقون تفكك عروضهم وتبعثرها على أنها " تفكيك ما بعد حداثي "... لكنه في الحقيقة عبث فراغي! لأن الأصل في التفكيك الفني الصحيح يشترط أن يكون لديك نصا او بناء دراميا متكاملا... ثم تختار تفكيكه لتعيد تركيبه أو نقده! وهو ما لا نجده في عروض المفككين الذين يدورون في حلقة مفرغة ضبابية... يتكدس فيها الارتباك والتشويش ومهما حاولت جاهدا كمتلق باحث عن المتعة... فلن تجد بسهولة متنا حكائيا واضحا وعليك أن تبدأ بتجميع شظايا العرض البصرية والحركية لتدعي ولو كذبا أنك فهمت شيئا لتدرأ عنك الاتهام الجاهز بتخلف ذائقتك وانحدار مستواك الفني والمعرفي والإدراكي.
وللأسف هذه الحلقة لن تكسر بمزيد من الادعاءات و التنظير بل تكسر فقط بإعادة الاعتبار للصنعة والتواضع أمام مبادئ الفن الأساسية والعودة لتعلمها عمليا! فالمخرج الذي تحول في هذه العروض لكاتب أيضا دون معرفة حقيقة بمعايير الكتابة الدرامية لن يكون قادرا على بناء قصة مترابطة ولن تسعفه سيول المفاهيم الفلسفية في إقناع الجمهور مهما تفذلك فوق منصات الندوات.
نحن أمام ظاهرةٍ استفحلت وتكرست... تجريب يُتخذ غطاء ومهرجانات تصبح غاية وخطاب يتضخم على حساب الاختبار أمام جمهور متجدد ليس عدوا للمتعة والمعنى... بل عدو للفجاجة التي حولت "ما بعد الحداثة والدراما" إلى تقليعة نخبوية.
إرث ما بعد الدراما..أوروبا تراجع ونحن نزايد؟

نشر في: 28 يناير, 2026: 12:03 ص








