ناظم ناصر القريشي
الزمن بوصفه رؤية للعالم
ينفتح الديوان على بوابة لغوية تعمل كشقّ في جدار الزمن:
«غراب يشحذ حفنة وقت». ليس الفعل هنا شحذ الحدّ، بل شحذ الحاجة؛ فالغراب لا يصنع الزمن، بل يستجديه، يقف عند عتبة الوجود ككائن مطرود من المعنى، يمدّ جناحه كما يمدّ الفقير يده، ويطلب من الزمن فتاته، لا امتلاءه، وحين يصبح الوقت «حفنة» يفقد الزمن امتداده ويتحوّل إلى بقايا ضوء في يد مرتجفة، وبذلك لا يقدّم العنوان مفتاحاً للديوان بل يضع أمامنا علامة على نقص الوجود نفسه وعلى هواجس اللغة وهي تفتش عن مهلة أخيرة قبل أن ينطفئ ما يمكن قوله ويضيع ما كان يمكن أن يقال.
ضوء كمان بعيد: الموسيقى بوصفها مرثية
في «ضوء كمان بعيد» تتأسس نبرة الديوان كلها؛ تبدأ القصيدة بقول الشاعر «خلته بريئاً مثل شجرة جردتها الرياح» لتعلن منذ اللحظة الأولى أن البراءة ليست سلاماً بل جرحاً مكشوفاً، ويأتي النهر في صورة «مكشوف العورة يحمرّ خجلاً» كأن الطبيعة نفسها تتراجع أمام مرآتها، فيما تتقدّم الموسيقى من مسافة تؤلم أكثر مما تطمئن، فالكمان بعيد وصوته «نار وغياب» والجمال لا يعود جمالاً بل يتحوّل إلى أثر يخفق في الذاكرة. هنا تظهر رموز الديوان الأولى: الذئب، الريح، الظلال، العشب… تتحوّل إلى مرايا داخلية تلتقط ارتجاف الذات في لحظة مواجهة نفسها، وتصل القصيدة ذروتها عند «التأتأة» التي لا تعبّر عن عجز اللغة بل عن فائض معنى يتدفّق خارج قدرتها على الإمساك به، كأن الجملة تمشي على أطرافها وتتعثر بما لا يُقال أكثر مما تتكئ على ما يُقال.
الغابة: الفن التشكيلي داخل اللغة
في «الغابة» يدخل النص منطقة ما يشبه فضاء الفن الميتافيزيقي عند دي شيريكو؛ أماكن ساكنة، ظلال طويلة، وأشياء تقف في انتظار تفسير لا يصدر، ويبدأ النص بخطأ يتكرر كأن الوجود ينسى خطواته ويعود إليها، ثم تتشكل الغابة كمتاهة لا تُرى كطبيعة بل كوعي يتكاثر في العتمة حيث «السؤال الأعمى ينقر في عين حلم قتيل» وحيث «كل الطرق تقود إلى الحريق» وحيث الضوء يأتي من مكان لا نعرفه، وتبدو الشخصيات أقل رسوخاً من ظلالها، والظلال أثقل من أجسادها، فتتحوّل الغابة إلى تجربة في انتظار المعنى مثل تماثيل دي شيريكو التي تتطلّع صوب شمس مؤجلة، وفي هذا المستوى من الرؤية يتقاطع وعي سهيل نجم الميتافيزيقي مع روح دي شيريكو في تلك المنطقة التي يصبح فيها العالم ظلاً لمعناه، لا معناه نفسه، وتظهر الأشياء كما لو أنها تقف في طابور انتظار طويل لمعرفة سبب وجودها.
اللعبة: الوجود كاحتمال لا كحكاية
في «اللعبة» يتقدّم العالم كاحتمال أكثر منه سرداً؛ يبدأ النص بـ«الضباب يأتي من جهة مفضوحة»، لكن الوضوح نفسه يبدو مبهماً، والمصادفات تتثاقل حتى تتحوّل إلى قدر. تتخلّى النار والحصى والخبز عن وظائفها اليومية لتدخل دائرة الأسطورة، وتلمع الأصوات الغامضة «كأن الملائكة تراقب عبث البشر ثم تختفي»، فيغدو الوجود لعبة بلا قواعد، حركة تتكرّر بينما يظلّ الاتجاه غامضاً. وهكذا تنكشف الرؤية المركزية في الديوان: زمن لا يسير بل يرتجّ في مكانه، ووجود لا يكتمل حكايته لأنه لم يُخلق ليُروى بل ليظلّ معلقاً بين احتمالين.
ثلاثة وجوه للغائب: الزمن والظلّ والمحو
يكتب سهيل نجم من منطقة يختلط فيها الغياب بالحضور، فـالزمن لا يأتي من أمام القصيدة بل يتقدّم من خلفها، كأن الماضي يضع يده على كتف الجملة ويدفعها نحو مستقبل لا شكل له؛ ولهذا تبدو العبارات آثاراً على تراب لم يُخلق بعد. وفي هذا المناخ نفسه يصبح الظلّ أكثر رسوخاً من الجسد، فهو الذي «يسبق الجسد إلى الليل» ويمشي نيابة عنه حين يعجز عن حمل أسئلته، فتتحوّل الظلال إلى لغة ثانية تتكلم بالصمت وتكشف ما يتخفّى تحت الضوء. أمّا المحو فهو السطح الخفي الذي تُكتب عليه القصيدة؛ الكلمات تظهر وفي داخلها أثر كلمة سابقة، والصور تولد كأنها تعتذر عن اكتمالها، فيلوّح المعنى من بعيد أكثر مما يستقرّ في العبارة. وهكذا تتداخل هذه العناصر الثلاثة — الزمن المتراجع، والظلّ المتقدّم، والمحو الذي يكتب بالعتمة — لتمنح الديوان بُعده الداخلي: بُعد ما لا يُرى وهو يصنع ما نراه.
المسافة بين الظهور والاختفاء
تمتدّ قصائد الديوان كاختبار للحدّ الفاصل بين ما يظهر وما يتخفّى؛ ففي «الجسر» يتردّد العبور فوق ماء لا يثبت، وفي «تكوين» يعاد ترتيب الإنسان في عناصره الأولى، بينما يتحوّل «الفرات» إلى ذاكرة تمشي على ماء منهك. وتلوح مشاهد أخرى كطفل يعبر من فم الغيمة وصوت يبحث عن صاحبه بين حجرين. هكذا يعمل الديوان على قياس تلك المسافة الحسّاسة بين الحضور وظلّه، بين ما يُقال وما يتردّد في العتمة منتظراً جملة تليق به.
العالم بعد انسحاب الواقع
تبدو قصائد الديوان كأنها كُتبت بعد أن تراجع الواقع خطوة إلى الوراء؛ عالم بلا زمن مألوف أو منطق مستقر، تتحرّك فيه الأشياء من دون جذور واضحة، وتصير الكلمات كائنات بلا ماضٍ تبحث عن مكان للظهور. في هذا الفراغ يعيد النص ترتيب الوجود كما لو أنه يعيش بعد رحيل الحياة عن موقعها، لا بوصفه وصفاً للعالم، بل محاولة للقبض على ما تبقّى منه حين ينسحب إلى منطقة لا تُرى.
ثلاثية الترقّب الوجودي: الغراب والصياد والحمامة
تلتقي ثلاثة عوالم بعيدة — ديوان «غراب يشحذ حفنة وقت»، ولوحة بريغل «الصيادون في الثلج»، وفيلم «حمامة جلست على غصن تتأمل في الوجود» — عند خيط واحد: الوجود بوصفه لحظة ترقّب على حافة المصير. ففي لوحة بريغل يعود الصيادون مثقلين بصمت الثلج، وتراقبهم الغربان من علٍ كأنها شاهدة على عبور هش، ضعيف، قابلٍ للانكسار، وفي فيلم أندرسون يقف الإنسان في مواجهة عبث لا يقترح خلاصاً، كمتفرّج على نهايته الخاصة. أمّا في ديوان سهيل نجم، فيتحوّل الغراب إلى شحّاذ للوقت، كائن يقف بين الجنة والنار يشحذ ما تبقّى من الضوء.
وهكذا تصنع هذه الأعمال الثلاثة صيغاً متعددة لسؤال واحد: كيف يواجه الإنسان وجوده حين يجد نفسه واقفاً على الحافة؟
نحو منطقة لا تستقر على يقين
ليس هذا الديوان عن العالم، بل عن الفراغ الذي يخلّفه العالم حين ينسحب إلى همسه الأخير؛ عن زمن يشحذ نفسه، وموسيقى تتذكّر لحنها ولا تقوله، وغابة تفضح الليل من غير أن تضيئه. لغة تقودك لا إلى المعنى، بل إلى ما يتشقّق حوله، حيث يقف المعنى في ظلّه محاولاً ألا يسقط. وأكاد أرى في هذا الديوان صدى لطريقة تتحرّر فيها القصيدة من نفسها؛ لا كمن يكتب العالم، بل كمن يكتبه العالم من الداخل، لغة تمسك يد القارئ وتمتدّ إلى شاعر آخر يكتب اسمه على حافة الظلّ، ثم يترك القصيدة تمضي وحدها نحو منطقة لا تستقر على يقين. وهكذا لا يُقرأ الديوان مرّة واحدة، بل يُعاد اكتشافه كلما مرّت اللغة قربك وكأنها تمسك يدك.
كأنّ اللغة تمسك يدك
تأمّلات في ديوان «غراب يشحذ حفنة وقت» للشاعر سهيل نجم

نشر في: 28 يناير, 2026: 12:04 ص








