ترجمة حامد أحمد
في لقاء مع صحيفة واشنطن بوست الأميركية، حذّر رئيس جهاز المخابرات العراقية، حميد الشطري، من عودة خطر تنظيم داعش على العراق، مع تضخم عدد مسلحيه من 2000 إلى ما يقارب 10 آلاف مسلح خلال أكثر من عام، مستفيدين من اضطرابات الأوضاع في سوريا، مشيرًا إلى استقطابه مسلحين منشقين من جماعات مسلحة أخرى، في وقت شهد فيه العراق انسحاب القوات الأميركية من قاعدة عين الأسد، مما قد يؤثر على العمليات المشتركة ضد التنظيم، رغم عمليات التحصين التي تجريها القوات العراقية والتطور الحاصل في قدراتها الاستخبارية والجوية.
وقال الشطري في مقابلة نادرة أُجريت معه في بغداد هذا الشهر: “هذا يشكل بالتأكيد خطرًا على العراق، لأن داعش — سواء كان في سوريا أو العراق أو في أي مكان في العالم — هو تنظيم واحد، وسيحاول بالتأكيد إيجاد موطئ قدم من جديد لشن هجمات”.
وتشير الواشنطن بوست إلى أن الشطري، وبصفته المسؤول الأمني العراقي الأبرز عن ملف الأمن السوري، فإنه زار دمشق ثلاث مرات خلال العام الماضي لإجراء محادثات مع الرئيس السوري أحمد الشرع.
أدت التطورات الدراماتيكية في شمال شرقي سوريا الأسبوع الماضي إلى تعميق المخاوف من عودة تهديد داعش. وخلال القتال بين القوات السورية الحكومية وقوات قسد الكردية، اندلعت حالة من الفوضى في السجون التي كانت تحتجز آلافًا من عناصر التنظيم، ما أدى إلى فرار بعضهم إلى الصحراء. وقد أُعيد اعتقال كثير منهم لاحقًا.
وفي المقابل، سارعت الحكومة العراقية إلى نشر آلاف الجنود وقوات الحشد لتعزيز الحدود مع سوريا.
في العراق، البلد الذي ما زال يعاني من آثار الحرب ضد داعش وتبعات “الخلافة” التي أعلنها التنظيم قبل نحو عقد من الزمن، أعادت هذه المشاهد ذكريات أليمة. كما وفرت ذريعة قوية للفصائل الشيعية المدعومة من إيران — التي قاتلت التنظيم سابقًا — في وقت تتعرض فيه لضغوط أميركية لنزع سلاحها.
قال الشطري إن المسلحين الذين انضموا إلى داعش في سوريا خلال العام الماضي يشملون عناصر كانوا متحالفين سابقًا مع الرئيس السوري أحمد الشرع — الذي كان في السابق زعيمًا لفرع تابع لتنظيم القاعدة — لكنهم أصبحوا مستائين من المسار السياسي الذي اتخذه بعد توليه السلطة.
وأضاف أن التوترات تصاعدت بين المسلحين الأجانب الذين كانوا ضمن صفوف الشرع، وكان عددهم بالآلاف، في ظل قيام قوات الحكومة السورية باعتقالات واسعة.
وأوضح الشطري أن تقديراته تشمل أيضًا منشقين عن فصائل مسلحة أخرى مثل جبهة النصرة وأنصار السنة، لكنها لا تشمل المتطرفين الذين ما زالوا موالين لتلك الجماعات. كما أشار إلى أن داعش نجح في تجنيد أعداد كبيرة من أبناء العشائر العربية، خاصة في المناطق ذات الأغلبية السنية التي كانت، حتى وقت قريب، خاضعة لسيطرة القوات الكردية.
أوروا عجوب، باحث في جامعة مالمو بالسويد ومتخصص في شؤون التنظيم، قال إن “داعش استفاد بالتأكيد من الانهيار الأمني للنظام السوري”، لكنه أضاف أنه لا توجد مؤشرات على تحول كبير في قدرات التنظيم أو في حجم هجماته، إذ تقتصر عملياته حاليًا على هجمات صغيرة وسريعة تستغل الثغرات الأمنية.
تأتي هذه المخاوف المتزايدة في وقت غادرت فيه آخر القوات الأميركية قاعدة عين الأسد في محافظة الأنبار غرب العراق هذا الشهر، منهية انتشارًا ركز على دعم القوات العراقية في محاربة داعش. وبعد التسليم الرسمي لقاعدة عين الأسد، باتت القوات الأميركية محصورة في قاعدة أخرى في أربيل بإقليم كردستان العراق، ومن المقرر أن تنهي مهمتها هناك مع نهاية العام، تماشيًا مع مطالب الحكومة العراقية. وقال الشطري إنه من المبكر الحكم على تأثير الانسحاب الأميركي من عين الأسد، لكنه أقر بأن ذلك قد يؤثر على العمليات الأمنية المشتركة، لا سيما في المناطق الوعرة مثل جبال حمرين، حيث يُعتقد أن نحو 500 مقاتل من داعش ما زالوا ينشطون داخل العراق.
أشار الشطري إلى أن أحدث عملية مشتركة ضد داعش في العراق جرت في مارس/آذار، وأسفرت عن مقتل الرجل الثاني في التنظيم، عبد الله مكي مصلح الرفاعي، المعروف باسم “أبو خديجة”، بحسب ما أعلنت القيادة المركزية الأميركية.
كما نفذت وحدة “خلية الصقور” العراقية النخبوية غارة جوية داخل سوريا في أواخر العام الماضي، وفقًا لما أعلنته السلطات العراقية آنذاك، في وقت كثفت فيه القوات الأميركية ضرباتها ضد داعش عقب هجوم أسفر عن مقتل جنديين أميركيين وشرطي سوري.
ورغم الانسحاب من عين الأسد، من المتوقع أن يستمر تبادل المعلومات الاستخبارية بين الولايات المتحدة والعراق، كما تؤكد السلطات العراقية أن قواتها اكتسبت خبرة كبيرة في قتال التنظيم وطورت قدراتها الجوية بشكل ملحوظ. وتقول الواشنطن بوست إن قليلًا من المسؤولين العراقيين يعتقدون أن داعش قادر على استعادة موطئ قدم واسع كما في السابق.
وقال سعيد الجياشي، وهو مسؤول في مستشارية الأمن القومي العراقي: “القلق موجود بالتأكيد”، مشيرًا إلى أن وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني أبلغ المسؤولين العراقيين، خلال زيارة إلى بغداد في مارس/آذار الماضي، أن عدد مقاتلي داعش في سوريا بلغ نحو 5000 عنصر، وذلك بعد أشهر فقط من تولي الحكومة السورية الجديدة بقيادة الشرع السلطة عقب إسقاط نظام بشار الأسد. وأضاف الجياشي: “بالنسبة للعراقيين، فإن محاولات داعش لإعادة تنظيم صفوفه تعيد إلى الأذهان مأساة طويلة من الماضي. لكن عراق 2025 و2026 مختلف تمامًا عن عراق 2014”.
وقال الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي، القائد السابق لقوات مكافحة الإرهاب العراقية، إن هيكل القيادة في داعش “دُمّر بالكامل”، وإن التنظيم اليوم مجرد ظل لما كان عليه حين كان يسيطر على موارد نفطية ويمتلك دبابات وطائرات مسيرة وأسلحة ثقيلة.
على طول الحدود الصحراوية الممتدة لمسافة 370 ميلًا مع سوريا — حيث كانت قوافل داعش تعبر سابقًا بين الرقة والموصل — عزز العراق حدوده بحواجز خرسانية وخنادق وأسلاك شائكة ومئات الكاميرات الحرارية، إضافة إلى دوريات جوية بالطائرات المسيّرة.
وقال الشطري إن العراق أقام “شراكة جيدة” مع الأجهزة الأمنية السورية في مكافحة داعش. غير أن مسؤولين أمنيين عراقيين آخرين عبّروا عن تحفظات أعمق. وقال الجياشي: “من الصعب بناء الثقة”.
وصف الجياشي تراجع قوات سوريا الديمقراطية الكردية في شمال شرقي سوريا أمام القوات الحكومية بأنه “كارثة” للأمن العراقي وللرسالة التي يبعث بها إلى حلفاء الولايات المتحدة. فقد تعاونت قوات سوريا الديمقراطية بشكل وثيق مع الجيش الأميركي في هزيمة داعش، لكن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أوضحت أنها لم تعد تدعم هذه القوات في صراعها مع الحكومة السورية.
عن الواشنطن بوست









