بغداد/ تميم الحسن
في وقتٍ أعلن فيه ائتلاف «دولة القانون» بزعامة نوري المالكي، الذي يستعد لتسلّم رئاسة الحكومة المقبلة، قدرته على «ضبط الفصائل المسلحة»، كانت تلك الفصائل نفسها ترفع منسوب التصعيد عبر الإعلان عن «عمليات استشهادية» دعماً لإيران.
وكان «الإطار التنسيقي»، بوصفه الكتلة الأكبر، قد أعلن الأسبوع الماضي ترشيح المالكي لرئاسة الحكومة المقبلة، وسط اعتراض أربع جهات شيعية، إلى جانب شكوك متزايدة بشأن موقف واشنطن من هذا الترشيح.
وتقول مصادر سياسية مطلعة لـ(المدى) إن جزءاً مما تصفه بـ«مناورة السوداني» في دفع المالكي نحو المنصب، يقوم على «التعويل على الرفض الأميركي»، باعتبار أن المالكي «لن يستطيع ضبط الفصائل»، وفق تقدير تلك المصادر.
وحتى اللحظة، لم يعلن محمد شياع السوداني، رئيس الحكومة المنتهية ولايته والفائز الأكبر في الانتخابات بأكثر من 50 مقعداً، بشكل صريح تنازله عن الترشح لصالح المالكي، وهو أمر يثير الشكوك، باستثناء ما يتم تداوله في أوساط الأخير.
وما تزال أطراف في المعارضة الشيعية لترشيح المالكي تعتقد أن السوداني دفع به إلى الواجهة، على أمل أن يواجه معارضة داخلية وخارجية، تجلّت في اعتراضات سنية وأخرى أميركية، دون أن يتدخل السوداني بشكل مباشر في المواجهة.
في المقابل، يقول عقيل الفتلاوي، المتحدث باسم ائتلاف «دولة القانون»، إن هناك قبولاً أميركياً بترشيح المالكي، معتبراً أن الأخير هو «الأكثر قدرة على ضبط إيقاع الفصائل المسلحة».
وأكد الفتلاوي، في مقابلة تلفزيونية، أن عدم وجود «فيتو» أميركي على المالكي يعني القبول به، مرجحاً أن هذا الموقف ينبع من المصلحة الأميركية في المنطقة، التي تتطلب الذهاب نحو حصر السلاح بيد الدولة، وهو الدور الذي يرى أن المالكي «الأقدر على أدائه».
"استهداف المالكي"!
ومنذ لحظة الإعلان عن ترشيح المالكي، شهدت المنطقة تصعيداً متزامناً مع تطورات أمنية خطيرة في سوريا، وسط مخاوف من إفلات ما تبقى من عناصر تنظيم «داعش» من سجون كانت تحت سيطرة «قسد»، التي خسرت مواقعها لصالح الحكومة السورية المؤقتة.
وظهرت في هذا السياق تساؤلات عمّا إذا كانت هذه الأحداث مجرد صدفة أم جزءاً من سيناريو يستهدف إحراج المالكي، كما يعتقد بعض أنصاره.
وبالتزامن مع ذلك، صعّدت واشنطن من تحشيدها السياسي والعسكري ضد إيران، فيما أعلنت فصائل مسلحة عراقية، بعضها حليف للمالكي، «الجهاد» وفتح باب «التطوع» للدفاع عن طهران، وهو ما وضع المرشح لتشكيل الحكومة في موقف حرج.
وفي تطور لافت، أعلنت «منظمة بدر» بزعامة هادي العامري، أحد أبرز الداعمين لترشيح المالكي، أنها ستكون في «صف المقاومة» إلى جانب إيران في حال تعرضها لهجوم.
وجاء في بيان صادر عن مكتب التوجيه العقائدي في المنظمة، التأكيد على «الموقف الثابت والمبدئي في مساندة ودعم الجمهورية الإسلامية قيادةً وشعباً في مواجهة الغطرسة الأميركية الإسرائيلية»، مضيفاً أن «ما يجري اليوم ليس حدثاً عابراً، بل معركة مصيرية بين جبهة الحق وجبهة الباطل»، مع الدعوة إلى «تعزيز الوعي العقائدي وترسيخ ثقافة المقاومة ونبذ محاولات الفتنة».
"الحرب الشاملة"
وفي السياق نفسه، ظهر أمس أمين عام كتائب «حزب الله» أبو حسين الحميداوي، وهو يملأ استمارة التطوع للقتال إلى جانب إيران، تنفيذاً لدعوة سابقة من زعيم الفصيل.
وكانت الكتائب قد دعت، الأحد الماضي، في بيان عن زعيمها، جميع «المجاهدين» إلى الاستعداد لـ«حرب شاملة» دعماً لإيران ضد من وصفتهم بـ«صهاينة الأرض». وقال الحميداوي في بيانه إن على «المجاهدين الاستعداد ميدانياً وتوطين النفس على إحدى الحسنيين»، مشيراً إلى أن أي إعلان للجهاد من المراجع قد يفضي إلى «عمليات استشهادية» دفاعاً عن «أهل الإسلام».
كما نقلت وسائل إعلام محلية، عن عضو المكتب السياسي لحركة «النجباء»، فراس الياسر، موقفاً مشابهاً لبقية الفصائل للوقوف إلى جانب إيران، كما رجّحت صدور فتوى من مرجعية النجف.
وسبق أن أعلنت أربع فصائل مسلحة، ثلاث منها ضمن ما يسمى بـ«محور المقاومة»، الشهر الماضي استعدادها للتخلي عن السلاح، غير أن واشنطن اعتبرت ذلك غير كافٍ.
وفي هذا السياق، شدد توم باراك، مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى سوريا، على أن أي حكومة تُنصّب في العراق بدعم إيراني «لن تكون ناجحة»، مستبعداً قيام شراكة فاعلة مع واشنطن.
وقال باراك في تدوينة على منصة «إكس» إنه أجرى اتصالاً هاتفياً مع الزعيم الكردي مسعود بارزاني، ناقش خلاله تطورات الوضع في سوريا وأهمية الحفاظ على وقف إطلاق النار وضمان وصول المساعدات الإنسانية، خاصة إلى كوباني.
وأضاف، في ما يتعلق بالعراق، أن «الموقف الأميركي لا يزال واضحاً، فالحكومة التي تُنصّب بدعم من إيران لن تنجح في تلبية تطلعات العراقيين أو إقامة شراكة فاعلة مع الولايات المتحدة».
وفي السياق ذاته، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أن وزير الخارجية ماركو روبيو أجرى اتصالاً هاتفياً مع رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني، تناول ملفات أمنية وسياسية مشتركة. وأكد روبيو، بحسب البيان، أن «حكومة تسيطر عليها إيران لا يمكنها وضع مصالح العراق في المقام الأول أو إبقاء البلاد خارج الصراعات الإقليمية».
تعطيل القطار الأميركي
من جانبه، يرى أحمد الياسري، رئيس المركز العربي–الأسترالي، أن موقف كتائب حزب الله «طبيعي»، مشيراً إلى أنها لم تعلن أصلاً أنها جزء من المشروع السياسي أو أنها ستلقي السلاح. واعتبر أن هذه المواقف تمثل «محاولة ضغط نفسي على الجانب الأميركي»، للتأكيد على أن استهداف إيران قد يؤدي إلى إشعال المنطقة بأكملها.
ويضيف الياسري لـ(المدى) أن هذه البيانات لا يُتوقع أن تؤثر على التفاهمات العراقية–الأميركية أو على مسار تشكيل الحكومة، مؤكداً أن «اختيار المالكي بحد ذاته قد يعرقل العلاقة، وليس بيانات الفصائل».
ويرى أن هذه المواقف ليست منفردة، بل تأتي ضمن سياق إقليمي مرتبط بقوى «محور إيران»، في محاولة لـ«كبح قطار متجه بسرعة نحو مواجهة كبيرة مع طهران». لكنه يحذر من أن أي تصعيد مباشر من قبل «كتائب حزب الله» سيقود إلى استهدافها، لافتاً إلى أن الفصائل تدرك أن العراق قد يتحول إلى ساحة بديلة في حال تطور الصراع، مع تغييرات أمنية جوهرية، سواء عبر تفاهم أمني أو فرضه بالقوة، خصوصاً في ظل إدارة أميركية «لا تعرف الحلفاء الدائمين».









