متابعة / المدى
منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، خرج ملف الهجرة من كونه سجالاً إدارياً موسمياً إلى صدام مفتوح داخل الدولة الأميركية. وفي قلب هذا المشهد تقف وكالة الهجرة والجمارك الأميركية «آيس»، التي لم تعد مجرد جهاز تنفيذي، بل تحولت إلى رمز لنهج أمني متشدد، وعنوان لانقسام حاد حول حدود السلطة الفيدرالية، ومعنى الأمن، وعلاقة الدولة بالمجتمع المدني.
تحضر «آيس» اليوم بقوة في نشرات الأخبار وساحات القضاء وميادين الاحتجاج، مع توسع عملياتها داخل المدن الكبرى وارتفاع وتيرة الاحتكاك المباشر مع السكان. الوكالة التي أُنشئت بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 لمواجهة التهديدات العابرة للحدود، تواجه اتهامات بتجاوز دورها التنفيذي والتحول إلى قوة أمنية داخلية ذات طابع شبه عسكري، في مقابل تأكيد مؤيديها أنها تمارس صلاحيات قانونية ضرورية لحماية الأمن القومي وتطبيق قوانين الهجرة.
تأسست «آيس» عام 2003 في إطار إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية الأميركية عقب هجمات 11 سبتمبر، عندما رأت واشنطن أن تشتت صلاحيات الهجرة والجمارك يخلق ثغرات خطيرة. فدُمجت المهام ضمن وكالة واحدة أُلحقت بوزارة الأمن الداخلي المستحدثة، في سياق عقلية ربطت الهجرة مباشرة بالأمن القومي. ومنذ البداية، حملت الوكالة توتراً بنيوياً بين كونها جهازاً مدنياً لإدارة ملف قانوني وإنساني، أو أداة أمنية لحماية الدولة من أخطار محتملة، وهو توتر انعكس في ثقافتها التنظيمية وأساليب عملها.
تعمل «آيس» عبر ذراعين رئيسيتين: إدارة الإنفاذ والترحيل، المسؤولة عن توقيف المهاجرين غير النظاميين وتنفيذ قرارات الترحيل، وهي الأكثر إثارة للجدل بسبب نشاطها داخل الأحياء السكنية؛ وإدارة التحقيقات في الأمن الداخلي، التي تتعامل مع قضايا تهريب البشر والمخدرات والجرائم المالية والإرهاب، وتحظى بتقدير أوسع حتى من منتقدي الوكالة. غير أن الرأي العام غالباً ما يختزل صورة «آيس» في مشاهد المداهمات والاعتقالات المفاجئة، ما جعلها عنواناً للاحتقان.
تغير حجم الدور الممنوح للوكالة باختلاف الإدارات الأميركية. ففي عهد باراك أوباما، سعت الإدارة إلى حصر الأولويات بترحيل من يشكلون خطراً أمنياً، رغم تسجيل أرقام ترحيل مرتفعة. أما التحول الجذري فجاء مع إدارة ترمب الأولى، حين أُلغيت القيود عملياً، وتوسعت صلاحيات «آيس» لتشمل جميع المهاجرين غير النظاميين. ومع عودة ترمب لولاية ثانية، عاد هذا النهج بقوة أكبر، مع تعزيز نشاط الوكالة داخل ولايات غير حدودية مثل مينيسوتا وإلينوي ونيويورك، وتوسيع التعاون مع الشرطة المحلية.
ويعمل في «آيس» نحو 20 ألف موظف بين ضباط تنفيذ ومحققين ومحللي استخبارات وموظفي احتجاز. ويتلقون تدريباً فيدرالياً متخصصاً، لكنه أقصر من التدريب العسكري، ما فتح باب الانتقاد حول الجاهزية للعمل في بيئات مدنية متوترة. ويبرز ملف المتعاقدين من القطاع الخاص، خصوصاً في تشغيل مراكز الاحتجاز، كأحد أكثر الجوانب إثارة للجدل، مع تقارير حقوقية عن سوء معاملة وإهمال طبي، واتهامات بخلق حوافز مالية لتوسيع التوقيف.
بلغ الجدل ذروته في ولاية مينيسوتا منذ أواخر 2025، مع تنفيذ ما عُرف بـ«عملية زيادة سعة المترو»، التي وُصفت بأنها أكبر عملية إنفاذ للهجرة في تاريخ الولاية، وتركزت في مينيابوليس وسانت بول حيث تعيش جالية صومالية كبيرة. وأعلنت السلطات الفيدرالية أن العملية استهدفت «مجرمين خطرين»، لكن مقتل المواطنة الأميركية رينيه نيكول غود، البالغة 37 عاماً، خلال عملية نفذتها «آيس» في يناير (كانون الثاني) 2026، فجّر موجة غضب واسعة واحتجاجات غير مسبوقة.
وتوسعت الاحتجاجات بعد تقارير عن إطلاق نار على رجل من أصل فنزويلي أثناء محاولة توقيفه، وتداول فيديوهات تُظهر اقتحام منازل دون أوامر قضائية واضحة، وحرمان بعض المعتقلين من الاتصال بمحامين. ودخل القضاء الفيدرالي على الخط، فأصدر قاضٍ أمراً يقيد تعامل الوكالة مع المتظاهرين السلميين، معتبراً أن بعض الممارسات تختبر حدود التعديلين الأول والرابع في الدستور الأميركي.
في هذا السياق، أعادت المواجهة طرح إشكالية «المدن الملاذ»، التي ترفض التعاون مع «آيس» في تنفيذ قوانين الهجرة، ما يفاقم التوتر بين السلطات المحلية والإدارة الفيدرالية. ورغم طرح أفكار لإعادة هيكلة الوكالة أو فصل مهام التحقيق عن الترحيل، تبدو هذه السيناريوهات بعيدة المنال في ظل إدارة جعلت من التشدد في ملف الهجرة ركيزة أساسية لسياستها.









