متابعة / المدى
في بروكسل، وضعت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس النقاش الدفاعي الأوروبي في إطاره الأكثر حساسية، محذّرة من أن القارة لم تعد تحتل موقع الأولوية في الحسابات الاستراتيجية لواشنطن، في ظل ما وصفته بـ«التحول البنيوي» في سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب. حديث كالاس جاء في كلمة أمام وكالة الدفاع الأوروبية، حيث شددت على أن أوروبا مطالَبة بالتكيف مع واقع جديد لا يمكن فيه الافتراض بأن الحماية الأميركية مضمونة أو دائمة. وقالت كالاس إن الاتحاد الأوروبي لا يسعى إلى فك الارتباط عبر الأطلسي، مؤكدة أن الولايات المتحدة ستبقى شريكاً وحليفاً، غير أن الاعتماد التاريخي على القوة الأميركية لم يعد خياراً آمناً. وأوضحت أن أي قوة كبرى، «لم تعتمد في بقائها على أطراف خارجية ونجحت»، في إشارة مباشرة إلى ضرورة بناء قدرة أوروبية ذاتية ومستدامة.
وتزامنت هذه التصريحات مع توتر أثاره ترامب أخيراً بعد تلويحه بضم غرينلاند التابعة للدنمارك، العضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، قبل أن يتراجع لاحقاً. ورغم تراجع الخطاب، فإن الحادثة أعادت إلى الواجهة أسئلة قديمة حول هشاشة المظلة الأمنية الأميركية بالنسبة لأوروبا، وعمّقت الدعوات إلى تقليص الاعتماد العسكري على واشنطن داخل حلف شمال الأطلسي.
وفي هذا السياق، حرصت كالاس على تثبيت موقع الناتو بوصفه «حجر الزاوية» للأمن الأوروبي، لكنها شددت على أن دور الاتحاد يجب أن يكون مكمّلاً وأكثر فاعلية، خصوصاً مع تحوّل تركيز الولايات المتحدة نحو أولويات أخرى. واعتبرت أن تعزيز «الركيزة الأوروبية» داخل الحلف بات شرطاً للحفاظ على تماسكه وقدرته الردعية.
الخلفية المالية والعسكرية لهذا التحول بدأت تتبلور منذ الغزو الروسي لأوكرانيا، إذ رفعت معظم الدول الأوروبية إنفاقها الدفاعي، ووافقت العام الماضي على زيادة هدف الإنفاق داخل الناتو. كما أطلق الاتحاد الأوروبي حزمة مبادرات تهدف إلى ضخ ما يصل إلى 800 مليار يورو إضافية في قطاع الدفاع، في محاولة لسد فجوات القدرات الصناعية والعسكرية.
لكن هذا التوجه لا يخلو من انقسامات. فقد حذّر الأمين العام للناتو مارك روته أعضاء البرلمان الأوروبي من وهم القدرة على الدفاع عن القارة دون الولايات المتحدة، معتبراً أن أي محاولة لبناء بديل كامل عن المظلة الأميركية ستتطلب مضاعفة الإنفاق الدفاعي إلى مستويات غير مسبوقة، إضافة إلى تطوير قدرة ردع نووي أوروبية مستقلة. وبرأيه، فإن هذا المسار قد يصب في مصلحة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عبر إضعاف وحدة الحلف وتعقيد معادلات الردع.
كالاس، من جهتها، لم تخفِ قلقها من عودة منطق «سياسات القوة ومناطق النفوذ»، معتبرة أن هذا الخطر بات «حقيقياً جداً»، وداعية الاتحاد الأوروبي إلى استثمار نقاط قوته، من التمويل إلى تخفيف القيود التنظيمية، لدعم نمو صناعاته الدفاعية وتسريع بناء قدراته الذاتية، من دون كسر التوازن الدقيق مع الحليف الأميركي.









