TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > محنة القوميات الصغيرة في العراق: من شركاء في التأسيس إلى ضحايا للتهميش

محنة القوميات الصغيرة في العراق: من شركاء في التأسيس إلى ضحايا للتهميش

نشر في: 29 يناير, 2026: 12:03 ص

جورج منصور

لم يتشكَل تاريخ العراق الحديث، منذ أواخر العهد العثماني وبدايات الدولة الوطنية، بفعل القوميات الكبرى وحدها، بل من تفاعل معقّد بين قوميات وأديان وثقافات متعددة، كان للقوميات الصغيرة فيه دور فاعل تجاوز حجمها العددي. غير أن التحولات الجذرية التي أعقبت عام 2003 وضعت هذه القوميات أمام محنة وجودية تُعدّ من أعقد المحن في تاريخها الحديث، إذ انتقلت من موقع الشريك في تأسيس الدولة إلى موقع «المكوّن» الهشّ الباحث عن الحماية والبقاء. لم تكن هذه الجماعات من - آشوريين وكلدان وسريان، وإيزيديين، وصابئة مندائيين، وتركمان، وشبك، وأرمن وغيرهم - هوامش طارئة على تاريخ البلاد، بل كانت جزءاً بنيوياً من تكوينها الحضاري والإنساني. فقد اسهمت بفاعلية في صياغة الحياة العراقية الحديثة ثقافياً واقتصادياً وإدارياً، وحضرت بقوة في المدن، في مجالات التجارة والتعليم والصحافة والإدارة، بل وفي الحركات الوطنية والفكرية. تميّز حضورها بطابعه الاندماجي لا الانعزالي؛ إذ لم تطالب بدول منفصلة، بل سعت إلى عراق تعددي قائم على المواطنة، ورأت في الدولة المركزية إطاراً ضامناً لحقوقها لا تهديداً لوجودها.
غير أن هذا الدور ظل هشاً، محكوماً بتوازنات سياسية لم تكن، في كثير من الأحيان، منصفة أو مستقرة. من «الشعب» إلى «المكونات»: التحوّل الكارثي شكّل عام 2003 منعطفاً حاداً في تعريف المجتمع العراقي. فبدلاً من مفهوم «الشعب» الموحَّد، جرى تكريس خطاب «المكوّنات»، وهو خطاب بدا في ظاهره اعترافاً بالتعدد، لكنه في جوهره حوّل الهويات الثقافية إلى وحدات سياسية متنافسة. بالنسبة للقوميات الصغيرة، كان هذا التحول كارثياً. فالمحاصصة، التي قُدّمت بوصفها آلية توازن، عملت فعلياً وفق منطق الحجم والقوة، لا وفق منطق المواطنة. وهكذا، وُضعت القوميات الصغيرة في خانة رمزية: تمثيل شكلي، حضور إعلامي موسمي، ووعود دستورية لا تجد طريقها إلى التطبيق.
لم تكن القوميات الصغيرة طرفاً فاعلاً في الصراعات الكبرى التي عصفت بالعراق، لكنها دفعت أثمانها الأفدح. فالفراغ الأمني، وصعود الجماعات المتطرفة، وتطييف المجال العام، جعلها أهدافاً سهلة: اغتيالات وخطف على أساس الهوية، وتهجير قسري من مناطق تاريخية، وتدمير رموز دينية وثقافية، وضغوط اقتصادية واجتماعية خانقة. بلغت المأساة ذروتها مع اجتياح تنظيم داعش لمناطق واسعة عام 2014، حيث تعرّض الإيزيديون والمسيحيون على نحو خاص، لجرائم إبادة جماعية، لا تزال أثارها المادية والنفسية قائمة حتى اليوم. أمام هذا الواقع، وُضعت القوميات الصغيرة أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الارتهان لقوى أكبر تدّعي»حمايتها» مقابل تبعية سياسية، أو الانكفاء على الذات بما يحمله من عزلة وضعف. وقد أسهم كلا الخيارين في تآكل استقلالها الثقافي، وحوّلاها من فاعل اجتماعي إلى «ملف» يُستحضر في الخطاب السياسي دون ترجمة عملية.
إن محنة القوميات الصغيرة ليست أزمة عددية فحسب، بل هي أزمة نموذج دولة. فالدولة التي تعجز عن حماية أضعف مكوّناتها، ولا تضمن مساواتها أمام القانون، إنما تعلن فشلها الأخلاقي قبل السياسي. وليس ما أصاب هذه القوميات في عراق ما بعد 2003 حادثاً عرضياً، ولا نتيجة تعثر «انتقال ديمقراطي»، بل هو نتاج مباشر لبنية سياسية فاشلة، قامت على تفكيك المجتمع باسم التعدد، وإعادة إنتاج الاستبداد بصيغ طائفية وقومية متناحرة. فالآشوريون، مثلاً، بوصفهم إحدى أقدم قوميات وادي الرافدين، لم يتحوّلوا إلى أقلية مهددة بسبب عامل ديمغرافي طبيعي، بل دُفعوا منهجياً إلى هامش الدولة، ثم إلى خارجها. لقد دخلوا القرن العشرين وهم يحملون إرثاً حضارياً وثقافياً ولغوياً عميقاً، وكان لهم حضور فاعل في التعليم والصحافة والوظيفة العامة والاقتصاد الحضري. وعلى الرغم من المجازر والاضطهادات التي تعرّضوا لها في العهد العثماني وبدايات الدولة العراقية، ظلّوا جزءاً من مشروع الدولة لا خصماً لها.
غير أن عراق ما بعد 2003 لم يعترف بحقوقهم التاريخية، بل أعاد تعريفهم بوصفهم «مكوّناً مسيحياً»، في عملية اختزال سياسية خطيرة ألغت البعد القومي، وجرّدت الهوية من سياقها التاريخي، وحوّلت شعوباً كاملة إلى توصيف ديني قابل للتوظيف والمساومة. إن إنقاذ ما تبقى من التعدد العراقي لا يتحقق عبر المزيد من التقسيم الهوياتي، بل عبر إعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة، وبناء دولة قانون تحمي الفرد بوصفه مواطناً، لا تابعاً لجماعة. عندها فقط يمكن للقوميات الصغيرة أن تستعيد دورها الطبيعي: جزءاً حياً من نسيج العراق، لا شاهداً على انحلاله. إن القوميات الصغيرة والمذاهب في العراق ليست هامش التاريخ، بل ضحاياه الصامتون. ومصيرها اليوم ليس شأناً خاصاً بها وحدها، بل مرآة لمصير الدولة العراقية نفسها: فإما عراق يتسع لتنوعه بوصفه مصدر قوة، أو كيان يتآكل بفقدان ألوانه واحداً بعد آخر.
هل أنصف الدستور العراقي هذه المكونات أم ساهم في تهميشها؟ منذ إقرار الدستور العراقي الدائم عام 2005، ظلّ الجدل محتدماً حول مدى قدرته على بناء دولة مواطنة عادلة تحترم التنوّع القومي والديني والمذهبي الذي شكَّل، عبر قرون، جوهر الهوية العراقية. ويتصاعد هذا الجدل حين يُطرح سؤال القوميات الصغيرة والمذاهب غير المهيمنة: هل جاء الدستور منصفاً لها، أم أنه، رغم نصوصه، أسّس لتهميشها سياسياً وثقافياً؟ لا يمكن إنكار أن الدستور، من حيث النص، رغم إنه جعل من الدين الإسلامي ركناً أساساً للتشريع وفتح الباب أمام اسلمة القاصرين لما ينطوي ذلك من مساس بمبدأ حرية الاعتقاد وحقوق الطفل، خطا خطوة متقدمة مقارنة بدساتير سابقة. فقد أقرّ صراحة بأن العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب، وأعترف بحقوق مكونات مثل التركمان، والكلدان والأشوريين والسريان، والإيزيديين، والصابئة المندائيين، والشبك، وغيرهم. كما أكد مبدأ المساواة أمام القانون، وحرية العقيدة، وحماية الخصوصيات الثقافية واللغوية. غير أن المشكلة الجوهرية لم تكن في النصوص بقدر ما كانت في البيئة التي وُلد فيها الدستور، وفي الآليات التي حوّلته من وثيقة مواطنة إلى أداة محاصصة. فقد اعتمد النظام السياسي بعد 2003 على المحاصصة الطائفية والقومية، وربط الحقوق بالانتماء لا بالمواطنة، واختزال التمثيل السياسي بالمكوّن الأكبر عدداً.
في هذا السياق، تحولت القوميات والمذاهب الصغيرة إلى كيانات رمزية بلا تأثير فعلي، وأوراق تفاوض تُستخدم عند الحاجة، وضحايا لا ناقة لها فيها ولا جمل. ورغم وجود تمثيل شكلي لبعضها في البرلمان أو المجالس المحلية، بقي هذا التمثيل محدود الصلاحيات، تابعاً لقوى أكبر، وعاجزاً عن حماية مناطق هذه الجماعات أو مصالحها الحيوية. وتجلّى ذلك بوضوح في ما تعرض له الإيزيديون من إبادة وتهجير، وفي الهجرة الجماعية للمسيحيين، وفي تغييب لغات وثقافات المكوّنات الصغيرة من المناهج والسياسات العامة. كما يضاف إلى ذلك اعتماد الدستور نموذجاً اتحادياً غير مكتمل المعالم. فبدل أن توفر الفيدرالية حماية للتنوّع، تحوّلت في التطبيق إلى تعزيز نفوذ المكوّنات الكبرى، وإضعاف الأقليات داخل الأقاليم، وخلق سلطات أمر واقع لا تخضع لرقابة وطنية فعّالة. وهكذا وجدت القوميات الصغيرة نفسها عالقة بين مركز ضعيف وأقاليم أقوى منها عدداً ونفوذاً.
هل المشكلة في الدستور أم في من طبّقه؟ يقضي الإنصاف القول إن الدستور، كنصٍ، لم يكن معادياً صراحة للمكونات الصغيرة، لكنه فشل في وضع ضمانات تنفيذية واضحة، وترك تفسير مواده لقوى سياسية غير مؤمنة أصلاً بمفهوم المواطنة. وبهذا المعنى، لم يُنصف الدستور هذه المكونات فعلياً، لا لأنه تجاهلها، بل لأنه تُرك بلا روح وطنية تحميه من التحوّل إلى غطاء للتهميش. إن القوميات الصغيرة والمذاهب في العراق ليست طارئة على تاريخه، بل هي جزء أصيل من نسيجه الحضاري والإنساني. وقد أثبتت التجربة أن الاعتراف الدستوري وحده لا يكفي، ما لم يُرافقه نظام سياسي عابر للهويات الضيقة، وثقافة مواطنة لا محاصصة، وإرادة دولة تحمي الأضعف لا الأقوى. فالدستور العراقي، حتى اليوم، وعّد لم يتحقق لهذه المكونات، وعدّاً معلّقاً بين نص جميل وواقع قاس، ينتظر شجاعة المراجعة قبل فوات الآوان.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: الجواهري ونوري سعيد و"الزعاطيط"

فرانسو حريري.. سيرة مناضل حمل التعددية في قلبه ومضى

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: ضد واشنطن .. مع واشنطن

 علي حسين قبل اشهر من هذا التاريخ خرج علينا ائتلاف دولة القانون ليعلن أن تحركات السفارة الأمريكية في العراق مخالفة للعرف الدبلوماسي، وقبلها اخبرنا السيد رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي في حوار...
علي حسين

قناطر: البصرة: مالك النخل والناطور

طالب عبد العزيز ماتزال خريطة خليج البصرة أو خليج عُمان أو الخليج العربي أو خليج فارس ماثلة في أعيننا، نحن طلاب المرحلة الابتدائية، منذ أكثر من ستة عقود، وهي تشير الى إمارات الخليج باسم...
طالب عبد العزيز

المشكلات البيئية والدورة النيابية السادسة في العراق

د.كاظم المقدادي كشفت الدورة النيابية السادسة ( الحالية) خلال تشكيل لجانها النيابية الدائمة، بأنها لا تختلف عن سابقاتها من حيث الموقف السلبي من المشكلات البيئية وتداعياتها الخطيرة على المجتمع العراقي. وهو ما يستوجب تذكير...
د. كاظم المقدادي

صراع وجودي بين دعاة الوطنية العراقية واللاوطنية

د. حيدر نزار السيد سلمان تدور في هذه المدة التاريخية واحدةٌ من أشرس المعارك الثقافية في تاريخ العراق الحديث والمعاصر بين نزعتين متعارضتين؛ يمثل الأولى العراقيون الذين يرون بلدَهم سيدًا مستقلًا كامل السيادة يقوم...
حيدر نزار السيد سلمان
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram