بغداد / علي الدليمي
وسط أجواء فنية مفعمة بالأسئلة الوجودية، افتتح مدير عام دائرة الفنون د. قاسم محسن، مساء الجمعة، المعرض الشخصي الأول للفنانة "تيسير كامل حسين" تحت عنوان (ما لا يُرى) على قاعة الأطرقجي للفنون.
المعرض الذي احتضن خمس وعشرون لوحة بقياسات مختلفة، شهد حضوراً لافتاً من النخبة الفنية والأدبية التي جاءت لتستكشف تجربة فنانة نشأت في كنف عائلة إبداعية عريقة.
وفي حديثها عن المعرض، أوضحت الفنانة تيسير كامل أن أعمالها تنطلق من الجسد لا بوصفه شكلاً مرئياً عابراً، بل كحقل للخبرة الوجودية، حيث يظهر الجسد كأثر وذاكرة مثقلة بالزمن والغياب، لا يُقدم كصورة مكتملة، بل كحضور متكسر، يُلمَح ولا يُرى.
ولدت تيسير كامل حسين في بغداد. ونشأت في بيئة فنية وأدبية كان لها الأثر الأبرز والعميق في تشكيل وعيها الجمالي المبكر متأثرة بإرث عائلي إبداعي عميق. فوالدها الفنان المعروف "كامل حسين"، ووالدتها الفنانة والشاعرة المعروفة "ليلى عبد الأمير"، وشقيقها الشاعر النشيط "أنمار". خريجة كلية علوم / قسم تكنولوجيا المعلومات/ جامعة بابل. شاركت في اغلب المعارض السنوية في جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين، ودائرة الفنون التشكيلية، ومعارض تشكيليات عراقيات السنوية. داخل العراق وخارجه. عضو في كل من: نقابة الفنانين العراقيين، وجمعية الفنانين التشكيليين العراقيين، واتحاد الصحفيين العراقيين والعرب، وعضو مؤسسة فنانات تشكيليات عراقيات.
في معرضها "ما لا يُرى"، وقد استطاعت أن تثبت بصمتها الخاصة بعيداً عن التمثيل المباشر للواقع، متخذة من "الجسد المتكسر" وسيلة للتعبير عن الهشاشة والقلق الإنساني.
حيث قدمت نصوصاً بصرية تنتمي إلى "تعبيرية الجسد الوجودية"، حيث لا يُعد الجسد موضوعاً للمحاكاة بل هو "فضاء استعاري" يعيد صياغة مفهوم الألم والاغتراب.
وقراءة في ملامح تجربتها، نجدها تتعمد استخدام "المنظور المشوه" أو "المتكسر" فالجسد لا يظهر كاملاً أو مستقراً، بل يظهر في حالة سيلان أو ذوبان داخل الخلفية. هذا الأسلوب ينقل المتلقي من الرؤية البصرية إلى "الرؤية الذهنية"، حيث يصبح الجسد مجرد أثر لماض أو وجع مجهول.
كما تعتمد الفنانة تقنية بناء اللوحة من خلال طبقات لونية سميكة في مناطق معينة مقابل "سيلان" لوني في مناطق أخرى، كما في لوحاتها التي تسيطر عليها الألوان الباردة (الأزرق والبنفسجي) الممزوجة بضربات "الأبيض" الساطع والذهبي.
الأرجواني والبنفسجي: استخدما في أكثر من لوحة، ليعبرا عن حالة من السكون المأساوي أو الأحلام المنكسرة.
الأحمر الصاخب: في عدد من أعمالها، يبرز الأحمر كصرخة بصرية وسط محيط بارد، مما يخلق تضادا يعزز من فكرة الصراع الداخلي للجسد.
تكرر تيسير في أعمالها وجود "الظل" أو الهيكل الخلفي. هذا العنصر يمثل "ما لا يُرى" حرفياً؛ إنه القرين أو الروح أو الذاكرة التي تلاحق الجسد المادي. هنا تتحول اللوحة إلى مساحة للتساؤل: أيهما الحقيقة؟ الجسد الملقى بوضوح أم الظل المتربص في الخلفية؟
تنجح تيسير كامل في تحويل "الهشاشة" إلى قيمة جمالية. فالأجساد لديها ليست قوية أو مثالية، بل هي أجساد "عابرة" ومثقلة، تعكس فلسفة "العبور الإنساني". إنها دعوة للمتلقي ليواجه قلقه الشخصي من خلال لوحات لا تقدم إجابات جاهزة، بل تفتح أبواباً للتأويل النفسي.
تجربة تيسير كامل في "ما لا يُرى" هي محاولة واعية لتحرير الفن التشكيلي العراقي من فخ "التشخيصية الجامدة" نحو "التعبيرية الفلسفية"، مستفيدة من إرثها العائلي وموظفة إياه في قوالب حداثوية تدمج بين الروح والجسد.









