بغداد/ تميم الحسن
بدت التطورات الأخيرة وكأنها انفجار سياسي ارتدّ على نوري المالكي نفسه، بعدما تصاعدت إعلانات بعض الفصائل عن "عمليات استشهادية" دعمًا لإيران، في توقيت حرج تزامن مع موقف حاسم للرئيس الأميركي دونالد ترامب، ما وضع ترشيح زعيم ائتلاف "دولة القانون" لرئاسة الوزراء على "كف عفريت".
وبينما تتجه الأنظار إلى ما سيقرره "الإطار التنسيقي" إزاء الاعتراض الأميركي العلني، يبرز تساؤل آخر حول ما ستقدم عليه الجماعات المسلحة في ظل هذا التصعيد، وسط تقديرات سياسية تشير إلى أن المالكي قد ينسحب "تكتيكيًا" ويعتذر عن تسلّم المنصب لتجنّب صدام مباشر مع واشنطن.
ويرجّح محللون أن سيناريو "مرشح التسوية" عاد بقوة إلى الواجهة، أكثر من أي وقت مضى، مقابل احتمال ضعيف لإعادة تكليف محمد شياع السوداني بسبب تنازله الذي وُصف بـ"المربك" لصالح المالكي في وقت سابق.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد وجّه، أمس، تحذيرًا صريحًا للعراق من إعادة تنصيب نوري المالكي رئيسًا للوزراء، في أول خروج واضح عن سياسة عدم التدخل المباشر في الشأن العراقي، ملوّحًا بوقف الدعم الأميركي بالكامل.
وقال ترامب في منشور على منصة "تروث سوشيال":
«أسمع أن العراق العظيم قد يرتكب خطأً فادحًا بإعادة تنصيب نوري المالكي رئيسًا للوزراء… في عهد المالكي، انزلقت البلاد إلى الفقر والفوضى العارمة. يجب ألا يتكرر ذلك. بسبب سياساته وأيديولوجياته المجنونة، إذا انتُخب، فلن تقدّم الولايات المتحدة الأميركية أي مساعدة للعراق».
وأكد ترامب أن العراق، من دون المساعدة الأميركية، لن تكون لديه "أي فرصة للنجاح".
وفي تطور لاحق، رفض زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي التخلي عن ترشيحه لرئاسة الوزراء، مؤكدًا تمسكه بالمضي في المسار السياسي الحالي.
وقال المالكي في تدوينة على منصة "إكس" إنهم "يرفضون رفضًا قاطعًا التدخل الأميركي السافر في الشؤون الداخلية للعراق"، معتبرًا ذلك "انتهاكًا صارخًا لسيادة البلاد، وتعديًا غير مقبول على قرار الإطار التنسيقي في اختيار مرشحه لمنصب رئاسة الوزراء".
وأكد أن لغة الحوار تمثل "الخيار السياسي الوحيد" في العلاقات بين الدول، مشددًا على رفض العراق القاطع اللجوء إلى "لغة الإملاءات والتهديد" التي تسعى، بحسب تعبيره، إلى مصادرة القرار الوطني المستقل.
وشدد المالكي على استمراره في هذا المسار، قائلًا: "انطلاقًا من احترامي للإرادة الوطنية وقرار الإطار التنسيقي، سأواصل العمل حتى نبلغ النهاية، وبما يحقق المصالح العليا للشعب العراقي".
وكان "الإطار التنسيقي" قد أعلن الأسبوع الماضي، بوصفه الكتلة الأكبر، ترشيح المالكي لرئاسة الحكومة المقبلة، عقب انسحاب مفاجئ من غريمه محمد شياع السوداني، رئيس الحكومة المنتهية ولايته، وسط اعتراض أربع جهات شيعية، إلى جانب شكوك متزايدة بشأن موقف واشنطن من هذا الترشيح.
"شأن عراقي خالص"
وفي أول رد شيعي على تصريحات ترامب، أكد المجلس الأعلى الإسلامي، بزعامة همام حمودي، أمس، أن اختيار رئيس مجلس الوزراء "شأن دستوري عراقي خالص".
وقال الناطق الرسمي باسم المجلس، علي الدفاعي، في بيان، إن المجلس يحرص على بناء علاقات متوازنة وإيجابية مع المجتمع الدولي، قائمة على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، مشددًا على أن العراق "دولة مؤسسات راسخة قادرة على إدارة استحقاقاتها الدستورية والسياسية بإرادة وطنية مستقلة".
وكان التحالف الشيعي قد خاض تفاهمات معقدة استمرت نحو شهرين لاختيار مرشح لرئاسة الحكومة، انتهت إلى منافسة بين السوداني والمالكي، قبل أن يفاجئ الأول الجميع بالانسحاب ودعم المالكي ثم التحالف معه.
غير أن هذا التنازل أثار، منذ البداية، شكوكًا داخل "البيت الشيعي"، وجرت توصيفات لما حدث لاحقًا بأنه "مناورة السوداني" لدفع المالكي نحو المنصب، مع "التعويل على الرفض الأميركي"، باعتبار أن المالكي "لن يستطيع ضبط الفصائل"، وتاريخه المثير للجدل.
وبالتوازي، صعّدت الفصائل المسلحة، التي يرتبط جزء منها بتحالف مع المالكي، من خطابها الداعم لإيران، وأعلنت حملات تطوع لنصرة طهران، متحدثة عن نيتها تنفيذ ما وصفته بـ"العمليات الاستشهادية"، ما وضع المالكي في موقف حرج.
رسالة الساعات الأخيرة
ظهرت إشارات الاعتراض الأميركي بشكل أوضح خلال جلسة انتخاب رئيس الجمهورية التي كانت مقررة الثلاثاء الماضي، والتي لو عُقدت لكانت أفضت إلى تكليف المالكي رسميًا بتشكيل الحكومة.
وقال القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني، مازن غريب، إن الولايات المتحدة غير راضية عن ترشيح زعيم ائتلاف دولة القانون لرئاسة الحكومة، مشيرًا في مقابلة تلفزيونية إلى أن "عدة عوامل أدت إلى إرجاء الجلسة البرلمانية الأخيرة، من بينها عدم موافقة واشنطن على ترشيح المالكي".
ويُعتقد أن "الإطار التنسيقي" تسلّم، يوم الاثنين الماضي، رسالة من الإدارة الأميركية تضمنت اعتراضًا واضحًا على ترشيح المالكي، الذي تُعدّ هذه الدورة بالنسبة له "الفرصة الأخيرة" لتولي المنصب، ولا سيما في ظل تقدمه في السن ومعاناته من أمراض.
وقال النائب عامر نصر الله عن كتلة "خدمات" إن "المعطيات تشير إلى أن رئيس الوزراء الحالي كان على علم مسبق بالموقف الأميركي الرافض لترشيح المالكي، بحكم العلاقة الإيجابية التي تجمعه بالإدارة الأميركية، وذلك في إطار مساعٍ للحصول على ولاية ثانية"، بحسب منشور له على مواقع التواصل الاجتماعي.
سوء تقدير أم مؤامرة؟!
وبحسب معلومات حصلت عليها (المدى)، فإن المالكي كان يعوّل على مواقف الدبلوماسي الأميركي السابق زلماي خليل زاد، الذي أبدى في وقت سابق دعمًا لعودته، إلا أن هذا التأثير بدا غير ذي جدوى في اللحظة الحاسمة.
في غضون ذلك، بدأ أنصار المالكي يتحدثون عن "مؤامرة أميركية – خليجية"، نُفذت عبر دعم من شركاء شيعة، إضافة إلى رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي، الذي كان من أشد المعترضين على تولي المالكي المنصب، وإعلانه، يوم الاثنين الماضي، أنه لن يشارك في حكومة يرأسها الأخير.
ويربط هؤلاء، بحسب روايتهم، خيوط هذه "المؤامرة" بالأحداث المتصاعدة في سوريا، والعثور، أول أمس، على انتحاري في الرمادي، في أول عملية من نوعها منذ سنوات، معتبرين أن ذلك يأتي على خلفية موقف المالكي الرافض للتعامل مع الوضع السوري الجديد.
"القرار الصلب"
وفي تفسير أوسع للموقف الأميركي، يقول إحسان الشمري، رئيس مركز التفكير السياسي وأستاذ الدراسات الاستراتيجية والدولية في جامعة بغداد، إن اعتراض ترامب على المالكي لم يكن نتيجة حدث واحد، بل سلسلة تطورات متراكمة.
ويذكر الشمري، في حديث لـ(المدى)، عدة أسباب رئيسية، من بينها مباركة المرشد الإيراني لترشيح المالكي، والتي رأت فيها واشنطن تحديًا مباشرًا لخطة ترامب في المنطقة، إضافة إلى سجل المالكي في ولايته الثانية، وتمدد تنظيم "داعش"، واتساع النفوذ الإيراني، فضلًا عن مخاوف من إعادة إنتاج الاستقطابات الطائفية.
كما يشير إلى أن الولايات المتحدة التقطت إشارات اعتراض داخلية عراقية، وأن صعود المالكي يُنظر إليه كتهديد للاستقرار الإقليمي، خاصة في ظل تعقيدات الملف السوري، واحتمالات التصعيد العسكري مع إيران، ورغبة ترامب في فصل العراق عن أي اشتباك محتمل.
ويرى الشمري أن "الإطار التنسيقي" لا يمتلك القدرة على تحدي ترامب، في ظل التهديد بالعزلة والعقوبات الاقتصادية، مرجحًا أن يصدر موقف "متوازن" قد ينتهي بإعلان اعتذار المالكي قبل انتخاب رئيس الجمهورية، أو تكليفه ثم اعتذاره بعد فترة قصيرة.
ويخلص إلى أن رسالة ترامب هذه المرة "قرار صلب"، بخلاف الرسائل الدبلوماسية السابقة، ما يعني أن المعادلة السياسية ستتغير باتجاه مرشح تسوية، مع إعادة تموضع الإطار التنسيقي، لأن "المواجهة تعني الانتحار ونهاية مستقبلهم السياسي".










