ثائر صالح
بعد زيارة مدينة هلسنكور الدنماركية لرؤية الكنائس التي عمل فيها والبيت الذي عاش فيه ديتريش بوكستهوده (المدى 8 أيلول 2024) قررت تقفي أثره وزيارة مدينة لوبَك الألمانية التي انتقل إليها سنة 1668 وعمل فيها حتى وفاته في 1707. يعتقد أن بوكستهوده قد ولد سنة 1637 في مدينة هلسنبوري (Helsingborg) السويدية التي كانت تابعة لمملكة الدنمارك - النرويج وقتها، حيث عمل كعازف أورغن في كنيسة ماريا من 1657 حتى 1660، ثم انتقل إلى الجانب الآخر من مضيق أُوره (اورَسوند) الفاصل بين السويد والدنمارك إلى مدينة هلسنكور (Helsingør) ليعمل في كنيسة ماريا بين 1660 - 1668. ولا تزال أجزاء الأورغن الذي عزف عليه بوكستهوده في هلسنبوري موجودة، فقد نقل في خمسينات القرن التاسع عشر إلى كنيسة تورلوسا الريفية في سكانيا جنوب السويد لتستعمل في بناء الأورغن هناك.
تميزت تلك الفترة بالحرب بين السويد والدنمارك التي انتهت بصلح روسكيلده الذي منح الأراضي الدنماركية في جنوب السويد (سكانيا وهالاّند وغيرها) وأجزاء من وسط النرويج إلى السويد. بذلك أصبحت هلسنبوري تابعة للسويد، وربما كان هذا الدافع وراء عبور بوكستهوده المضيق إلى الجاب الآخر.
قضى بوكستهوده معظم عمره في وظيفته الثالثة والأخيرة في كنيسة ماريا (أيضاً) في مدينة لوبيك الألمانية الشمالية في ولاية شلَسْڤيك - هولشتاين. وهي مدينة مهمة من اتحاد مدن الهانزا (اتحاد مدن تجارية في شمال أوروبا بين القرون 13-17).
تعتبر هذه الكنيسة المبنية من الآجر الأحمر واحدة من أهم الكنائس القوطية في شمال أوروبا. تسمى أحياناً " أم الكنائس القوطية المبنية بالآجر"، شيدت بين 1265 - 1352، وهي بناية مهيبة ترتفع أبراجها إلى علو 124 مترا، وكانت المثال الذي بنيت على أساسه أكثر من 70 كنيسة في شمال أوروبا. تتميز الكنيسة بالساعة الفلكية الجميلة وصومعة رقصة المقابر (Danse macabre) التي اشتهرت بجداريتها، كما ترتبط بها فضيحة تزوير جداريات تعود إلى العصور الوسطى من قبل أحد المرممين في خمسينات القرن العشرين.
تدمّرت الكنيسة في الحرب العالمية الثانية بعد غارة بريطانية ربيع 1942، واحترقت محتوياتها بالكامل تقريباً، بينها أورغن الكورس الجانبي عند صومعة رقصة المقابر الذي اعتاد بوكستهوده استعماله ويعود بناؤه إلى العام 1477، ومن المحتمل أن يكون باخ قد عزف عليه كذلك عند زيارته المايسترو في 1705. وتسبب انهيار سقف الكنيسة في اختفاء قبر بوكستهوده الذي دفن في الكنيسة نفسها، وكسيت الأرضية بالطابوق الأحمر عند إعادة بناء الكنيسة بين 1947 - 1959. وتشير لوحة برونزية تذكارية إلى القبر الآن. وبدأت منذ فترة وجيزة عملية واسعة للتنقيب عن الأجزاء الأصلية في الكنيسة، وسيجري التنقيب عن القبر في العام الحالي.
عدا هذا لم أهتدِ إلى أي أثر آخر في المدينة القديمة مما يمكن أن ينسب إلى بوكستهوده. لكن جمال بوابة المدينة (1464) أشهر معلم فيها، وأجواء المدينة القديمة المبنية على جزيرة وسط نهر تراڤه وشوارعها المرصوفة بالحجر وبيوت الآجر الضيقة المبنية على طراز مدن الشمال الأوروبي عوضت ذلك.
موسيقى الاحد: بوكستهوده في لوبك

نشر في: 1 فبراير, 2026: 01:17 ص









