السماوة / كريم ستار
مع حلول فصل الشتاء، تعود بادية السماوة في محافظة المثنى إلى واجهة الاهتمام السياحي، مستقطبة زواراً من داخل العراق ودول الخليج، إلى جانب صيادين وعائلات من جنسيات آسيوية. غير أن هذا الحراك الموسمي، الذي يعوّل عليه اقتصادياً، واجه تراجعاً ملحوظاً هذا العام بفعل التوترات الإقليمية والتحذيرات الأمنية الصادرة عن عدد من الدول.
وفي هذا السياق، أوضح مدير إعلام محافظة المثنى، سعيد مشعان، أن السياحة تمثل رافداً اقتصادياً مهماً، إلا أنها لا تحظى بالاهتمام الكافي في العراق. وقال: «بداية، لا شك أن السياحة رافد اقتصادي مهم لأي دولة أو محافظة، لكن المؤسف أنها في العراق تفتقر إلى مقومات نجاحها، ولأسباب داخلية قبل أن تكون خارجية، أولها قلة الاهتمام بهذا الرافد المهم». وأضاف أن السياحة في المثنى ذات طابع موسمي، تتركز في مناطق البادية، ويغلب عليها الزوار العراقيون والخليجيون، مشيراً إلى أن الأوضاع السياسية المحلية والإقليمية تؤثر بشكل مباشر في حركة الاستقطاب السياحي، بسبب المخاطر المتوقعة والتغيرات الآنية.
وأشار مشعان إلى تجربة الموسم الحالي، موضحاً: «في الفترة الأخيرة جاء ما يقارب 100 سائح خليجي دفعة واحدة من عدة دول، ويحضرون معهم مجموعة من الخدم الآسيويين، وهؤلاء جميعهم دخلوا بصفة رسمية للعراق، لكنهم غادروا فجأة بعد تلقي تحذيرات من دولهم نتيجة التصعيد الأخير بين الولايات المتحدة وإيران. هذا أمر وارد وطبيعي جداً، ويعكس التأثير المباشر للأحداث الإقليمية على سلوكيات السياح».
من جانبهم، يؤكد خبراء اقتصاد محليون أن للسياحة دوراً محورياً في دعم الاقتصاد، لا سيما في المحافظات التي تمتلك مقومات طبيعية وتاريخية. وقال الخبير الاقتصادي د. حيدر الكرعاوي إن «السياحة ليست مجرد ترفيه، بل هي مصدر مباشر للعوائد المالية من خلال الفنادق والمطاعم والخدمات المصاحبة، كما تسهم في خلق فرص عمل للسكان المحليين، وتقليل نسب البطالة، وتوسيع دائرة الاستثمار المحلي». وأضاف أن الاستثمار في البنى التحتية السياحية، مثل الطرق والفنادق والمرافق، من شأنه تعزيز العوائد الاقتصادية بشكل مستدام وزيادة قدرة المحافظات على استقطاب سياح جدد.
وتطرق مشعان إلى ما رافق تراجع الحركة السياحية من مواقف وتأويلات، قائلاً: «ربما يحاول البعض إعطاء الموضوع مقاصد سياسية، فالبعض وصفهم بالجواسيس، وآخرون اعتبروهم متجاوزين، لكن في الواقع كلهم مواطنون مدنيون غايتهم السياحة والاستمتاع بالأجواء الطبيعية الساحرة في فترة الشتاء ببادية السماوة».
وأشار أيضاً إلى أهمية سياحة الآثار في المحافظة، مبيناً أنها تحتاج إلى دعم رسمي وجدي. فالمثنى تضم مدينة أورك أو الوركاء، المعروفة بمدينة الحرف الأول، وهو إرث حضاري قادر على جذب سياح وباحثين من مختلف دول العالم، ولا سيما من أوروبا وأمريكا. وأكد أن غياب بيئة آمنة ومهيأة يحد من فرص استقبال وفود أكبر، قائلاً: «هذا الجانب من السياحة يحتاج أن نوفر لهم بيئة آمنة تفتح آفاقاً جديدة لوفود أكثر وأكبر، بما يعزز الصورة الحضارية للمحافظة ويتيح فرصاً اقتصادية متنوعة».
من جهتهم، عبّر عدد من الزوار المحليين والخليجيين عن إعجابهم بجمال الطبيعة وعراقة التراث في السماوة، مع إبداء قلقهم من الأوضاع الأمنية. وقال أحد الزوار الخليجيين من الكويت، مشعان الأحمد: «زيارة السماوة كانت تجربة مميزة، الطبيعة ساحرة والجو معتدل، لكن التوترات الأخيرة جعلتنا نتلقى تحذيرات من سفارتنا، وكان علينا المغادرة حفاظاً على السلامة، وهذا محبط للغاية».
وفي المقابل، أشار صيادون آسيويون يعملون مع الزوار الخليجيين إلى أن أي توتر سياسي أو تحذير أمني ينعكس مباشرة على أعمالهم. وقال فراس الحباري من قطر: «نحن نأتي إلى العراق للعمل بشكل قانوني، السياحة تعطينا فرصة لكسب الرزق، لكن أي توتر سياسي أو تحذير أمني يعني توقف العمل بشكل مفاجئ».
وتشير إحصاءات ميدانية إلى تراجع الحركة السياحية مقارنة بالمواسم السابقة، رغم تسجيل تحسن جزئي في بعض الخدمات الفندقية والمرافق السياحية، وهو ما يعكس بوضوح تأثير التوترات الإقليمية في الأنشطة الترفيهية في بادية السماوة. وتبقى محافظة المثنى مثالاً للتحديات والفرص السياحية في العراق، مع إمكانية تحولها إلى نقطة جذب مهمة في حال تهيئة المناخين الأمني والاستثماري بشكل ملائم.









