TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: الحبُّ يقترحُ سماءً أكثرَ زرقةً اليــــوم

قناطر: الحبُّ يقترحُ سماءً أكثرَ زرقةً اليــــوم

نشر في: 2 فبراير, 2026: 12:32 ص

طالب عبد العزيز

الى حيدر نضير
صباحٌ مشرقٌ آخر يأتي؛ وأنا رجلٌ عاطفيٌّ جدّاً، لا أستطيعُ كتم مشاعري والله، حتى أنَّ الكلمات الصادقة تؤثّر بي أكثر مما تؤثر الأفعال. تُدمعُ عيني كلماتُ أغنية، لامست قلبي، ويبكيني حدَّ الجَّزع مشهدٌ حزينٌ في فيلم. مرةً رأيت عاشقَين جالسيَن على مِصطبة، قبالة شط العرب، لا أعرف ما إذا كانا متزوجيَن أو مخطوبيَن، أو عابريَنِ جمعتهما مصادفةٌ ما، لحظةٌ ما؛ لكنَّ مشهد السعادة التي رأيتهما عليه جعلني أبكي، وددت لو أنَّ بائعة الورد الجميلة كانت قريبة مني!!ّ كفكفتُ دموعي وسرتُ.
في الصباح هذا؛ كنتُ قد حسمت أمرَ المادة هذه؛ لتكون عن الحرب، المتوقعة بين أمريكا وإيران، فهي مادةٌ جاهزة عندي، وأملك التصورات الكاملة عنها، ولا تحتاج أكثر من تصور بشع عما سيحدث في المنطقة، إنْ اندلعت، لكنَّ صديقاً عزيزاً كتب تقريظاً جميلاً، عن مادة كنتُ نشرتها على صفحتي، أمسِ غيَّر مسارَ ورقتي الصغيرة هذه. لا أعرف ما إذا كان المحررُ يبيح لي الكتابة عن قضايا شخصية، لكنْ، متى كانت المشاعرُ الإنسانية الصادقة قضيةً شخصيةً؟. ترى، هل كان الشاعرُ (علي بدر الدين) يتحدث عن شخصه المحض حين كتب: "أنا يا عُصفورةَ الشَّجنِ مثلُ عينيكِ بلا وطنِ، بي كَما بِالطفلِ تَسرِقُهُ أوَلَ الليلِ يَدُ الوَسَنِ.."؟ الاغنيةُ التي أسمعها الآن بصوت العظيمة فيروز. لكن، سأتوقفُ ملياً عند جملته:"راجعٌ من صوبٍ أغنيةٍ يا زماناً ضاعَ في الزمن" ترى كيف يمكنا تصور أنْ يرجع الانسان من (صوب أغنية)؟ فالناس ترجع من جهة النهر، جهة الشارع، الحديقة، السوق أمّا أن يرجع أحدهم من صوب أغنية فهذا ما يجعل جسدي يقشعر والله، وكيف يضيعُ الزمنُ في الزمن؟ لا أكتبُ هذه إلّا وأنا أتحسس جلدي اللحظة الآن! ألا ترون بأنَّ الحربَ والاقتصادَ الخربَ، واختلافَ الجهات، وتقاطعَ مصائر بعضنا على الشخصية السياسية هذه أو تلك وغيرَ ذلك مما ينشغل به البعضُ، ويصرُّ على تعقبه غيرُ الممسوسين بالجمال والقيم الإنسانية الكبرى أشياءُ تفسدُ علينا حياتنا القصيرة؟ أعتقدُ أنْ على الشاعر والفنان أنْ ينصرف بكليته الى ينابيع النور، ويظلَّ هناك، كما في قصيدة قمر شيراز لعبد الوهاب البياتي:" وجدوني عند ينابيعِ النُّور قتيلاً، وفمي بالتوتِ الأحمرِ والوردِ الجبليِّ الأبيضِ مصبوغًا، وجناحيَ مغروسًا في النُّورْ".
شكراً صديقي الشاعر (حيدر نضير) لأنك أنقذتني من كتابة مادة كانت ستكون بشعةً، وها أنا كما عهدتني، أُنشدُ الجمال، حيثما وجدت اليه سبيلاً، لا تحدّني جغرافيا، ولا توقفني أسماءُ، وتواريخُ، وأديانُ، ومذاهبُ، وطوائف، ممتلئٌ حدَّ الغرق بالحب الكليِّ الجامعِ، كما لو أنني في لحظة (والت ويتمان) مع إحداهن، فهو يقول لها:" تعالي وتمددي معي، أنا والت ويتمان، حرٌّ ومتشهٍّ كالطبيعة" ولا بغضاء في نفسي إلا لأعداء الجمال، ولا أنحني إلا للريح المعطرة بنداء الإنسانية والحرية.
أصغي الآنَ لنداء إحدى منشدات الحضارة الفارسية، العظيمة (مهستي) وهي تقول:" الازهارُ في الحديقة عديمة اللون بعيني/ والوردةُ في الاصيص تكاد تموت/ استنشق أنفاسيَ للقائك / ليس من السهل أن تزرع عشقاً في قلبك، فالبيت مليئ بالضَّجر والصمت" مهستي؛ صوتٌ يتنزل من جبال لا تحدُّ، ويعبرُ سهولاً وأوديةً تأخذني الى ما لا أجده في أمكنة وأزمنة كثيرة. العمرُ قصيرٌ جداً، صديقي القارئ، والزمنُ أقصرُ من انتظار وردةٍ تتفتح، والوجودُ الإنسانيُّ مهددٌ بالفناء السريع، هو مثل قطرة المطر التي ظلتْ عالقةً بسعفةِ الفجر، ستسقط بأول شعاع للشمس، أو بأول هبوب للريح، هل قلتُ الهبوب؟ ياه، أعتقدُ أنّه (سان جون بيرس) الذي يقول:" خذيني أيتها اللذةُ، في دروبِ كلِّ بحر؛ في ارتعاش كلِّ نسيم، حيث تنشطُ اللحظةُ؛ كعصفورٍ يرتدي ثيابَ أجنحته، سامضي، سامضي في طريقٍ من الأجنحةِ، حيثُ الكآبةُ لم تعدْ إلّا جناحاً ".

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

نينوى تحتضن أكبر تجمع عالمي لرسامي الألوان المائية

بدء العدّ التنازلي لأول مهمة مأهولة إلى القمر منذ 1972

اقــــرأ: المبدعون عشاقاً

«Moltbook».. منصة اجتماعية تثير الجدل

باليت المدى: كنوز صغيرة

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: امريكا عزت الشابندر

العمود الثامن: واشنطن راضية وطهران أيضا !!

محنة القوميات الصغيرة في العراق: من شركاء في التأسيس إلى ضحايا للتهميش

العمود الثامن: ام كلثوم تستقبلني في المطار

فينيسيوس يهدد بالرحيل عن ريال مدريد ويشترط مساواته بمبابي في الراتب

العمود الثامن: يوم المليون

 علي حسين آهم معارك مصر الحضارية كانت في دعم واشاعة قوتها الناعمة في الثقافة والفنون ، ومن اهم مراكز هذه القوى معرض القاهرة الدولي للكتاب . احتفى المعرض هذا العام بسيد الرواية العربية...
علي حسين

باليت المدى: كنوز صغيرة

 ستار كاووش أشياء صغيرة ومتعددة تمرُّ أمام أعيننا كل يوم، لكننا مع ذلك لا ننتبه اليها كثيراً ولا نتوقف عند سحرها وما تحمله من تأثير، حيث يظل إنتباهنا معلق بالأشياء الكبيرة واضحة المعالم،...
ستار كاووش

قناطر: الحبُّ يقترحُ سماءً أكثرَ زرقةً اليــــوم

طالب عبد العزيز الى حيدر نضير صباحٌ مشرقٌ آخر يأتي؛ وأنا رجلٌ عاطفيٌّ جدّاً، لا أستطيعُ كتم مشاعري والله، حتى أنَّ الكلمات الصادقة تؤثّر بي أكثر مما تؤثر الأفعال. تُدمعُ عيني كلماتُ أغنية، لامست...
طالب عبد العزيز

دولة الأطراف الآمنة: اللامركزية الوقائية كصمام أمان للوحدة السورية

سعد سلوم كان التساؤل الجدلي حول مدى صلاحية «النموذج العراقي» كمخرج للأزمة السورية محورا لمقالين سابقين، رصدتُ فيهما الانقسام الفكري السوري بين مدرسة تحذيرية تخشى تفتيت الهوية عبر المحاصصة، ومدرسة واقعية تراه ضابطاً للجغرافيا...
سعد سلّوم
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram