ستار كاووش
أشياء صغيرة ومتعددة تمرُّ أمام أعيننا كل يوم، لكننا مع ذلك لا ننتبه اليها كثيراً ولا نتوقف عند سحرها وما تحمله من تأثير، حيث يظل إنتباهنا معلق بالأشياء الكبيرة واضحة المعالم، فنقضي الليل والنهار بتلمس القضايا الكبيرة التي لا تحتاج الى توضيح ولا الى إنارة لتثبت أمامنا وجودها الصارخ القوي. التفاصيل الصغيرة التي تبدو عابرة وليست ذات أهمية، تملك سحراً سحراً وجوهراً وعمقاً فريداً، ونحن مثلما ما نتأمل البناية الكبيرة التي تنتصب بقوة وسط الشارع، علينا أيضاً تفحص شكل طابع البريد مثلاً، وقبلَ أن نغدق بالمديح على طعم الشاي، علينا ان لا ننسى شكل الملعقة الصغيرة التي تجعله حلو المذاق، ونحضر معرضاً للرسم لكننا ننسى تفاصيل اللوحات، أو نُلقي التحية ولا نتذكر أسماء الأشخاص، ونشتري الفاكهة ولا نتأمل ألوانها المتناغمة.
عموماً فالعين الخبيرة بالجمال تحمل حساسية عالية ازاء الأشكال والألوان والتفاصيل، وتلتقط ما هو مُهمَل وبسيط. والروح المحملة بالطاقة الجمالية هي التي تفرك الصدى وتزيح الغبار المتراكم فوق الأشياء الصغيرة، وهي التي تلتقط الجمال بصيغ متعددة، هذا الجمال المتوفر أكثر مما نتوقعه أو نراه، حتى لو بدى للكثيرين بلا فائدة. هكذا يمكننا دائماً أن نحوِّلُ ما نراه الى قمر صغير يضيء الروح والبصر، ونجعل منه حكاية تحمل الكثير من الألفة وربما حتى الدعابة.
بهذه الكلمات أردتُ أن أدخل الى عالم الفنان الفرنسي جيلبرت ليجراند، الذي يحول كل ما تراه عيناه الى فن نابض بالحياة والمتعة والطرافة، وهو يفعل ذلك دون اللجوء الى أدوات الفن التقليدية، حيث لا يستعمل الألوان على القماش أو حتى النحت التقليدي، بل يمسك بالأدوات اليومية القديمة التي نستعملها، ويصنع منها كنوزاً صغيرة نندهش عند رؤيتها وربما نضحك ونشعر بالمتعة. وهكذا من خلال خياله اللامعقول يتحول المقص بين يديه الى عاشقين، وتصير فتاحة القناني مغنية أوبرا، وتصير فرشاة تنظيف الملابس زعيم قبيلة من الهنود الحمر، وينقلب المنشار الى كلب، والغليون تتغير مهمته الأساسية ويصير رجلاً مسناً محني الظهر، وهكذا مع الحنفية التي حولها الى فتاة مسرعة، وعلّاقَة الملابس التي صارت فأراً. لا شيء يسلم من يدَيَّ هذا الفنان، وكأنه يحمل عصا سحرية يوجّهها نحو أي شيء يشاهده فيتحول هذا الشيء بلمح البصر إلى امرأة أو تفاحة أو حيواناً أليفاً، وهنا لا يقف أي عائق أمام هذا الخيال الخلاق وهذه الموهبة التي تحمل الكثير من الدعابة والأبتكار.
ينظر هذا الفنان الى العمل الفني بطريقة مختلفة ومبتكرة، فهو ما أن يمسك بيده شيئاً ما أو أداة معينة، يبحث مباشرة عن الإضافة الصغيرة التي يحتاجها هذا الشيء كي تصبح له حياة جديدة ويتحول الى عمل فني. ورغم أنه يحاول أن يجعلنا ننظر بنفس طريقته التهكمية، ويسحبنا بهدوء نحو عوالمه الخيالية، لكن مع ذلك علينا تفحص أعماله من كل جانب كي نعرف الأساس الذي كوَّنَ منه هذا العمل أو ذاك، لأنك ما أن تُطيل النظر حتى تبتسم لا إرادياً وانت تكتشف أن هذا الجمال الذي أمامك لم يكن سوى شيئاً منزلياً قد حوله الفنان الى عمل فني فريد وأخّاذ. والأمر هنا يتجاوز ظاهرة البارادوليا التي نرى من خلالها بعض الأشكال في الغيوم المتداخلة، كذلك هيئات الوجوه التي تظهر على الجدران القديمة المتهرئة، أو حتى ما يُكَوِّنُهُ دخان المصانع من تفاصيل تشبه الأشجار أو الأشكال المموهة. بل يذهب هذا الفنان بعيداً في تصوراته وفلسفته التي تبدو بسيطة لكنها تحمل الكثير من العمق والطرافة والانفتاح. فهو لا يكف عن رؤية شيء جديد في كل سلعة قديمة أو حاجة مهملة. وهكذا لا يتوقف عن استنباط الشخصيات المرحة من خلال كل ما يصادفه في حياته اليومية، وكأنه يملك بلورة سحرية لإبتكار أشكال جديدة وغير متوقعة ومفاجئة للمتلقي.
ومثلما نرى هنا، فالفن ليس الموجود في المتاحف فقط ولا المعلق في صالات العرض، بل هو ما ينبع من أرواحنا أيضاً وداخل خيالنا الذي يجب أن نشغله جيداً. الابداع متوفر أمامنا ويصادفنا كل لحظة، وما علينا سوى الإمساك به بطريقة جديدة وخاصة وتحمل طابعنا الشخصي. فكل شيء متاح في الفن وجميع الأشياء التي نراها في حياتنا اليومية يمكنها أن تتحول الى هيئات أخرى غير متوقعة. فقط علينا النظر بشكل جيد. الخيال هو أعظم ما يمتلكه الإنسان وهو أساس كل الإبداعات وحتى الإختراعات العظيمة. وبدون الخيال لا يمكننا أن نمضي أية خطوة جديدة الى الأمام.









