بغداد / تبارك عبدالمجيد
يواجه القطاع الزراعي في العراق أزمات متراكمة، تتصدرها فوضى إدارية تضرب الجمعيات والاتحادات الفلاحية منذ عام 2003، بالتوازي مع تدهور خطير في البساتين جنوب البلاد بفعل الجفاف وسوء إدارة الموارد. وفي وقت تتعطل فيه الانتخابات المحلية وتضعف مرجعية القوانين، يُجبر آلاف الفلاحين على ترك أراضيهم، ما ينذر بمخاطر جدية على مستقبل الزراعة والأمن الغذائي.
ويقول الفلاح حامد رزاق أبو وائل إن واقع الجمعيات الفلاحية في محافظة واسط يكشف عن فجوة كبيرة بين ما ينص عليه القانون وما يُطبق فعلياً على الأرض. ويشير إلى أن المحافظة تضم 87 جمعية فلاحية أساسية، ترتبط بها ثمانية اتحادات فرعية في الأقضية، تشكّل بمجموعها الاتحاد المحلي للجمعيات الفلاحية ومركزه مدينة الكوت، والتي يُفترض أن تُدار وفق انتخابات دورية تُجرى بعد مصادقة الاتحاد العام في بغداد، استناداً إلى قانون الجمعيات الفلاحية رقم 56 لسنة 2002. ويضيف لـ«المدى» أن خللاً واضحاً أصاب تطبيق هذا القانون بعد عام 2003 نتيجة ضعف الأداء الإداري وسوء التطبيق، ما أدى إلى تعطّل المسار الانتخابي الطبيعي. ونتيجة لذلك، استمر بعض العاملين في مواقعهم لأكثر من دورة انتخابية وبمدد تجاوزت السقف القانوني، بسبب المناكفات والتزاحم على المصالح بين قيادتين في الاتحاد العام، وهي مشكلات قانونية انتهت لاحقاً بإبعادهم عن مواقع القيادة. ويتابع أن انتخابات أُجريت لاحقاً من قبل مكاتب إدارية جديدة لدورتين، لكنها رافقتها أيضاً إشكالات عديدة، وأسفرت تلك الصراعات عن بقاء ثلاث إلى أربع محافظات من دون إجراء انتخابات محلية، من بينها اتحاد الجمعيات الفلاحية في محافظة واسط. وانعكس ذلك سلباً على واقع الاتحاد، إذ شهد تغيير قياداته المحلية ثلاث مرات أو أكثر، ما أدى إلى تراجع أدائه وإفراغه تقريباً من مهامه الأساسية، وفي مقدمتها الدفاع عن حقوق الفلاحين والمزارعين.
ويشير أبو وائل إلى أن استمرار العاملين في الجمعيات والاتحادات لفترات ودورات طويلة فاقم معاناة هذه الشريحة الفقيرة. ومع تصاعد الضغوط، اضطرت الجهات المعنية في الاتحاد العام إلى إجراء انتخابات جديدة، إلا أن بعضها شابه خلل في الأداء، بسبب اعتماد لجان انتخابية تقليدية، حيث أصبح العاملون في الاتحاد أنفسهم مشرفين على الانتخابات، في مخالفة صريحة لقانون الجمعيات الفلاحية رقم 56 لسنة 2002. ويؤكد أن التصويت جرى بالاعتماد على الهوية الفلاحية بدلاً من اعتماد الفلاح صاحب العقد الزراعي، ما أتاح المشاركة لغير المستحقين وأهمل الأولوية القانونية لحامل العقد. وقد استُخدم هذا الأسلوب من قبل أطراف تقليدية للاستمرار بالسيطرة على الجمعيات، ولا سيما في المشاريع الاستراتيجية التي تعتمد على متعهدين لتشغيل مكائن ضخ المياه.
ويلفت إلى وجود مشاريع يمتلك فلاحوها مكائن الضخ التي تم شراؤها وفق قانون بيع أموال الدولة رقم 32 لسنتي 1982 و1983، ومع ذلك أصبحت الجمعيات الفلاحية وسيطاً بين الفلاح والمتعهد، ما ولّد مشكلات مالية وقانونية عديدة. ويبيّن أن المتعهد المُحال عليه عقد التأجير السنوي مُلزم قانونياً باستحصال مستحقاته بوسائله الخاصة، من دون زج الجمعيات الفلاحية في هذه العملية، لما قد يترتب عليها من تبعات قانونية وإدارية.
ويضيف أن قانون الجمعيات الفلاحية رقم 56 لسنة 2002 بات يفتقر اليوم إلى مرجعية تنفيذية واضحة. ويوضح أنه منذ تأسيس الجمعيات عام 1959 كانت مرتبطة باللجنة الزراعية العليا في مجلس الوزراء، واستمر هذا الارتباط عبر الأنظمة المتعاقبة حتى ما قبل عام 2003، حيث كانت المرجعية الحزبية هي الجهة المسؤولة آنذاك. أما بعد 2003، فأُعيد تأسيس الجمعيات والاتحاد العام وفروعه المحلية من دون تحديد جهة إشراف واضحة، ما أسهم في تفاقم المشكلات الحالية.
ويرى أبو وائل أنه كان من المفترض ربط الاتحادات المحلية بلجان الزراعة والموارد المائية في مجالس المحافظات أو بالمحافظ مباشرة، وربط الاتحاد العام بلجنة الزراعة والموارد المائية في مجلس النواب أو باللجنة الزراعية العليا في مجلس الوزراء، مع تشكيل لجان رقابة قانونية وحسابية مستقلة لضمان سلامة العمل ومنع التجاوزات، والحفاظ على مسيرة الاتحاد وفروعه المحلية، وتحقيق الهدف الأساس في خدمة الفلاح والدفاع عن حقوقه. وفي ذي قار، يقول رئيس اتحاد الجمعيات الفلاحية في المحافظة حسين رباط إن البساتين في المناطق الجنوبية تواجه تدهوراً خطيراً نتيجة الجفاف وسوء إدارة الموارد. ويؤكد أن نحو 40 في المئة من بساتين ذي قار هلكت بالكامل بسبب جفاف التربة وموت الجذور نتيجة انعدام الرطوبة.
ويضيف لـ«المدى» أن نسبة الـ60 في المئة المتبقية ليست جميعها بحالة جيدة، موضحاً أن جزءاً منها ما يزال منتجاً بسبب التزام بعض الفلاحين بالعناية ببساتينهم، فيما تعاني النسبة الأخرى من الإهمال، ليس بسبب تقصير الفلاحين، بل نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة التي دفعت الكثير منهم إلى ترك الزراعة والتوجه للعمل في قطاعات أخرى مثل الشرطة والجيش والحشد الشعبي، من أجل تأمين لقمة العيش لعوائلهم، في ظل ما وصفه بانهيار الوضع الزراعي في المحافظة.
ويشير رباط إلى أن من أسباب تدهور البساتين عدم توفير المبيدات الحشرية في الوقت المناسب من قبل الحكومة المركزية، حيث تُجهّز أحياناً بعد انتهاء موسم الإصابة، ما يجعل استخدامها غير مجدٍ، مؤكداً أن هذا التأخير ساهم في تفاقم الخسائر التي لحقت بالمزارعين.
ويطالب الحكومة المركزية بإيلاء ملف الفلاحين والبساتين أولوية حقيقية، معتبراً أن هذه البساتين تمثل ثروة وطنية ومستقبل الزراعة في العراق. ويشدد على ضرورة إيصال المياه إلى المناطق التي هلكت بساتينها بسبب الجفاف، محذراً من أن استمرار الأزمة يهدد مستقبل الفلاحين بشكل مباشر.
ويلفت إلى أن أزمة الجفاف طالت، وأن توزيع المياه لا يتم بصورة عادلة أو منظمة، إذ تصل إلى بعض المناطق بينما تُحرم منها مناطق أخرى، ما أحدث ارتباكاً كبيراً في القطاع الزراعي وأفقد الفلاحين الثقة بإمكانية الاستمرار. ويؤكد أنه، بصفته رئيساً لاتحاد الجمعيات الفلاحية، يتابع شكاوى الفلاحين، لكنه لا يمتلك أدوات حقيقية لمعالجة الأزمة في ظل غياب الدعم الحكومي. ويختم بالقول إن كثيراً من الفلاحين بدأوا بتجريف بساتينهم وبيع أراضيهم، مفضّلين الاستفادة من قيمة الأرض بعد أن فقدوا الأمل بعودة النخيل والأشجار التي يبست جذوعها بالكامل. ويحذر من أن غياب المتابعة الجدية والدعم الفعلي سيدفع إلى خسارة المزيد من البساتين، ويهدد بتقليص المساحات الزراعية في المحافظة خلال السنوات المقبلة إذا ما استمرت الأوضاع على حالها.









