عصام الياسري
في ظل تصاعد التوتر الإقليمي، ولا سيما التهديدات الأميركية المتكررة بضرب إيران، يجد العراق نفسه مرة أخرى في موقع بالغ الحساسية، تتقاطع فيه الجغرافيا مع السياسة، والاقتصاد مع الأمن. فالعراق، بحكم موقعه وتركيبته وتعقيد علاقاته، ليس طرفا محايدا بالكامل في هذا الصراع، ولا يملك في الوقت ذاته أدوات المواجهة المباشرة أو القدرة على تحمّل تبعاتها. وفي خضم هذا المشهد الإقليمي المضطرب، تتعمق الأزمة السياسية الداخلية، مع استمرار الخلافات بين القوى السياسية حول انتخاب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس الوزراء، ما يضاعف من هشاشة الموقف العراقي في واحدة من أخطر المراحل التي تمر بها المنطقة. إصرار الإطار التنسيقي على ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء، بعد تنازل محمد شياع السوداني عن هذا الاستحقاق، واجه اعتراضا أميركيا واضحا وصريحا. هذا الاعتراض لا يمكن فهمه بوصفه موقفا شخصيا بقدر ما هو انعكاسا لتجربة سياسية سابقة لا تزال حاضرة في الذاكرة الأميركية والدولية.
فالولايات المتحدة تربط مرحلة حكم المالكي السابقة بتوترات حادة في العلاقة الثنائية، وضعف السيطرة على الملف الأمني، واختلال التوازنات الداخلية، وصولًا إلى الانهيار الأمني الكبير عام 2014. ومن هذا المنطلق، ترى واشنطن أن عودته تعني حكومة صِدامية أو، في الحد الأدنى، حكومة غير قادرة على طمأنة المجتمع الدولي بشأن ملفات شديدة الحساسية. من جانبه، يتعامل المالكي مع الاعتراض الأميركي بوصفه تدخلًا في الشأن العراقي ومحاولة لفرض إرادة خارجية، ويقدّم إصراره على المنصب على أنه موقف سيادي. غير أن هذا الخطاب يصطدم بواقع اقتصادي ومالي معقّدا، فالعراق لا يزال جزءًا من النظام المالي العالمي، ويعتمد في تصدير نفطه وتعاملاته المصرفية على منظومة تخضع بدرجة كبيرة للتأثير الأميركي
. العقوبات أو الضغوط الأميركية لا تأتي عادة بشكل مباشر أو صاخب، بل عبر أدوات ناعمة لكنها مؤلمة، مثل تشديد الرقابة على التحويلات المالية، أو تقييد استثناءات الطاقة، أو خلق مناخ اقتصادي غير مستقر. وهذه الأدوات لا تصيب الطبقة السياسية بقدر ما تنعكس سريعًا على حياة المواطنين اليومية. يمتلك الإطار التنسيقي قدرة سياسية وبرلمانية تتيح له تمرير مرشحه من حيث المبدأ، إلا أن تجربة الحكم في العراق أثبتت أن تشكيل الحكومة لا يعني بالضرورة القدرة على إدارتها بنجاح. فالفارق كبير بين حسم معركة التكليف داخليا، وبين القدرة على إدارة الدولة في بيئة إقليمية ودولية معقدة. أي حكومة تدخل في مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة، دون امتلاك بدائل اقتصادية أو سياسية حقيقية، ستجد نفسها عاجلًا أو آجلًا أمام أزمات خانقة تُفقدها الغطاء الشعبي، وتدفع ثمنها شرائح المجتمع المختلفة. في ظل هذا التعقيد بين إصرار القوى السياسية، وتشدد الموقف الأميركي، وتزايد احتمالات التصعيد الإقليمي، يبقى المواطن العراقي هو الخاسر الأكبر، والشعب هو الضحية الدائمة. فارتفاع سعر الصرف، وتراجع الخدمات، واستمرار البطالة، كلها نتائج متوقعة لأي انسداد سياسي طويل أو صِدام خارجي غير محسوب.. وهنا تكمن خطورة المرحلة إذا لم تتوفر التسوية كخيار واقعي؛ إذ لم يعد الصراع يدور حول اسم رئيس الوزراء فحسب، بل حول مستقبل الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في البلاد، وبالتالي، سيتعرض مصير الشعب بأكمله.!!
امام هذه المعطيات، يبدو أن الخيار الأقل كلفة يتمثل في البحث عن مرشح توافقي من خارج الكتل والأحزاب الماسكة بالسلطة ـ قادر ـ على إدارة التوازنات الداخلية والخارجية، وتشكيل حكومة ببرنامج واضح يهدف إلى تحييد العراق عن صراعات المحاور، وضبط القرار الأمني بيد الدولة، وإدارة العلاقة مع واشنطن ببراغماتية تحفظ المصالح الوطنية دون الدخول في مواجهات مفتوحة. هذا المسار لا يعني التخلي عن السيادة، بل يمثل قراءة واقعية لموازين القوى، ومحاولة لتجنيب البلاد مزيدًا من الأزمات.
ليس مطلوبا التحالف مع أميركا ـ بل ـ الحفاظ على قنوات تفاهم مفتوحة. عدم التصعيد الإعلامي غير الضروري. الاستمرار بالاتفاقات، ضبط إيقاع الدولار والتحويلات المالية. احترام استثناءات استيراد الغاز والكهرباء. كفيل بالتهدئة. أي حكومة تُظهر عداءً مباشرا ستُواجه بأدوات اقتصادية مؤلمة قبل العسكرية.. العراق يستطيع (نظريا) لعب دور وسيط لا ساحة صراع. بمعنى آخر ـ تقوية ـ العلاقات مع دول الخليج وأوروبا والأمم المتحدة لخلق مظلة سياسية تقلل من قابلية معاقبته.
السؤال: ما الخيارات الواقعية المتاحة أمام الإطار إذا تصاعدت الحرب؟. وهل الولايات المتحدة فعلاً قادرة على خنق العراق اقتصاديا؟. الجواب ـ ونحن نضع الصورة دون مجاملة أي طرف: إذا ما أصرّ الإطار التنسيقي على ربط مصير العراق كليا بالصراع مع أميركا، أو السماح باستخدام الأرض العراقية للرد على ضرب إيران، فالعقوبات شبه حتمية (مالية، مصرفية، دبلوماسية). ولربما عسكرية.. أما إذا شكّل حكومة متوازنة، وضبط الملف الأمني وتعامل ببراغماتية مع واشنطن، فسيكون العراق في "منطقة رمادية آمنة" رغم العاصفة الإقليمية. لكن إذا ما تحدى المالكي بإصراره على المنصب والإدارة الأمريكية مصرة على اعتراضها عليه بالنهاية في حالة تعقيد الموقف بين جميع الأطراف فيكون الأمر دقيقا، وهنا ندخل إلى لبّ الأزمة الحقيقية لا إلى قشورها.. إذ نكون عمليا أمام معادلة تصادمية: الإطار التنسيقي يرشّح نوري المالكي رغم الاعتراض الأميركي الواضح.. المالكي يتعامل مع الاعتراض كـتحدٍّ سياسي وسيادي. الحقيقة أن واشنطن لا ترى الأمر "خلافا شخصيا"، بل عودة نموذج حكم تعتبره سببا لانهيارات سابقة. والنتيجة المتوقعة؟ الشعب هو الحلقة الأضعف. خاتمة: يقف العراق اليوم عند مفترق طرق حاسم: إما الانزلاق إلى صراع إرادات وكلفة وطنية يدفع ثمنها المواطن، أو اعتماد منطق التوازن والتسوية في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخه الحديث. والتجارب السابقة تؤكد أن كلفة الحكمة، مهما بدت صعبة، تبقى أقل بكثير من كلفة الصِدام.









