الموصل / سيف الدين العبيدي
في أعقاب الدمار الواسع الذي لحق بآثار وتراث نينوى بعد عام 2014، بدأت مبادرات محلية تسعى إلى إعادة وصل المجتمع الموصلي بجذوره الحضارية، من بينها تعليم الكتابة المسمارية بوصفها أحد أبرز رموز تاريخ العراق القديم، في خطوة تهدف إلى تعزيز الوعي الثقافي وحماية الموروث الأثري من الاندثار.
وفي هذا السياق، نظّمت منظمة لاماسو المختصة بالشؤون الآثارية، والتي تضم عشرة آثاريين محترفين يعملون بشكل تطوعي، ورشة مجانية لتعليم الكتابة بالخط المسماري، استضافتها مؤسسة الخطاط الراحل يوسف ذنون، بمشاركة 20 شاباً وفتاة من المهتمين.
وقال عضو فريق لاماسو والتدريسي في كلية الآثار بجامعة النور، سيف سعد، في حديث لـ«المدى»، إن أدوات الكتابة المسمارية كانت تعتمد على الخشب والطين، مشيراً إلى أن الآشوريين استخدموا الحجر لوفـرته، على عكس السومريين الذين اعتمدوا الطين بشكل رئيسي. وأوضح أن تعلّم الكتابة المسمارية يرتبط بشغف المتعلم، لافتاً إلى أن بعض المشاركين تمكنوا، من المحاولة الأولى، من كتابة علامات مسمارية صحيحة.
وأضاف سعد أن عدداً من المفردات الموصلية المتداولة اليوم مقتبسة من اللغة الآشورية، مثل «لشان» بمعنى لسان، و«أزان» بمعنى أذن، و«إيدو» بمعنى يده، و«عينو» بمعنى عينه، موضحاً أن الآشوريين ينتمون إلى الأقوام الجزرية التي تنتمي إليها العرب، بخلاف اللغة السومرية التي لا يُعرف على وجه الدقة أصلها اللغوي. وبيّن أن اللغة الآشورية لغة مقطعية تضم قرابة 500 علامة، وتتميز بالحروف المفخمة والحلقية، الأمر الذي جعل تدوينها بالخط المسماري بالغ الدقة، لاعتماده على زوايا حادة وحساسة.
من جهته، أكد مسؤول منظمة لاماسو وعضو المجلس الدولي للآثار، الدكتور عمر جسام، لـ«المدى»، أن فريقه يعمل على تشخيص مشكلات التعامل مع التراث وإيجاد حلول عملية لها من خلال أنشطة توعوية، من بينها تعليم الكتابة المسمارية، والتعريف بتاريخ ظهورها، وأهمية اللغات القديمة في العراق. وأشار إلى أن هذه الأنشطة تهدف إلى رفع مستوى الوعي بأهمية الحفاظ على الآثار، وبيان تأثير الموروث الثقافي في المجتمع.
وأوضح جسام أن المنظمة درّبت عدداً من الشباب على أسس صناعة السياحة، بوصفها إحدى المشكلات التي تواجه المدينة، بما في ذلك كيفية استثمار المواقع الأثرية وتحويلها إلى نقاط جذب سياحي، واستحداث مسارات جديدة، إضافة إلى أساليب التعامل مع السائح، وترميم المواقع وتنميتها. ولفت إلى أن عدداً من المباني الأثرية أُعيد إعمارها، لكنها بقيت من دون استثمار سياحي فعلي، ما دفع المنظمة إلى إشراك أعضاء فريقها في دورات تدريبية خارج العراق لمحاكاة التجارب السياحية الدولية.
وأضاف أن فريق لاماسو نفّذ برنامجاً سياحياً ترفيهياً للعوائل المسيحية التي غادرت الموصل عام 2014، تضمن جولات في منازلهم داخل المدينة القديمة، معتبراً هذه الخطوة مشجعة على العودة أو الزيارة على الأقل. وأكد أن الموروث الثقافي يشكّل عامل جذب رئيسياً للمجتمع الأصيل، مستشهداً بتوجّه السياح والوافدين إلى المناطق القديمة والمطاعم الشعبية عند زيارتهم الموصل، وابتعادهم عن الأماكن الحديثة.
بدورها، قالت عضو الفريق والتدريسية في كلية الآثار بجامعة الموصل، سرى عمار، لـ«المدى»، إنها تعمل في مجال ترجمة النصوص القديمة، الأمر الذي دفعها إلى دعم مبادرة تعليم الكتابة المسمارية. وأوضحت أن هناك علامات خاصة تسبق التسميات المختلفة، سواء المتعلقة بالإناث أو الذكور أو الآلهة أو الطبيعة، وهو ما يميّز اللغة الآشورية عن غيرها من لغات العراق القديم.










