ذي قار / حسين العامل
بالتزامن مع اليوم العالمي للسرطان، كشفت بيانات رسمية في محافظة ذي قار عن ارتفاع حاد في معدلات الإصابة بالمرض خلال السنوات الماضية، وسط تحذيرات من ضعف البنية التحتية الصحية، وشح الأدوية، واستمرار عوامل التلوث البيئي التي تُعد من أبرز مسببات انتشار المرض.
وكشفت محافظة ذي قار عن ارتفاع مقلق في معدلات الإصابة بالأمراض السرطانية، إذ قفز عدد الإصابات من نحو أربعة آلاف حالة عام 2018 إلى أكثر من عشرة آلاف إصابة حتى عام 2025، في وقت بلغ فيه عدد الوفيات المسجلة 3172 حالة خلال المدة من بداية عام 2013 وحتى نهاية عام 2017.
ويصادف اليوم العالمي للسرطان في الرابع من شباط من كل عام، وهو مناسبة دولية تهدف إلى رفع الوعي بأسباب الإصابة بالمرض، وتشجيع الوقاية، وحشد الجهود لمواجهة ما يوصف بوباء السرطان عالمياً.
وقال رئيس لجنة الصحة والبيئة في مجلس محافظة ذي قار، الدكتور أحمد غني الخفاجي، في تصريح لـ«المدى»، إن المحافظة «سجلت أعداداً كبيرة من المرضى المصابين بالأمراض السرطانية»، مبيناً أن «البيانات الإحصائية المسجلة في مركز الأورام السرطانية تشير إلى أكثر من عشرة آلاف إصابة تم تسجيلها خلال المدة من عام 2010 وحتى عام 2025».
وأوضح الخفاجي أن مركز الأورام السرطانية الواقع ضمن مستشفى الحبوبي «لا يتسع للأعداد المتزايدة من المصابين»، فضلاً عن «افتقاره إلى الأجهزة المتخصصة بتشخيص الأورام السرطانية المتقدمة»، مؤكداً وجود «شح كبير في الأدوية الخاصة بعلاج مرضى السرطان».
وأشار إلى عجز وزارة الصحة عن توفير كميات كافية من الأدوية اللازمة لتزايد أعداد المصابين، إضافة إلى عجز دائرة صحة ذي قار عن توفير تلك الأدوية من الأسواق المحلية «بسبب عدم توفر السيولة المالية اللازمة لشرائها بشكل مباشر، فضلاً عن عدم توفر بعض الأنواع ذات المناشئ الرصينة والمعروفة في الصيدليات المحلية».
وأعرب الخفاجي عن أمله باستكمال أعمال مشروع مستشفى الأورام السرطانية، الذي لا يزال قيد الإنشاء على نفقة شركة نفط ذي قار، مؤكداً أن نسبة الإنجاز في المشروع بلغت نحو 85 في المئة، مرجحاً أن يسهم المستشفى، بعد إنجازه وتجهيزه بالأجهزة الطبية المطلوبة، في تحسين مستوى الرعاية الصحية لمرضى السرطان، وتقليل الحاجة إلى سفرهم للتشخيص أو العلاج خارج المحافظة أو خارج البلاد.
وعن أسباب ارتفاع معدلات الإصابة، قال الخفاجي إن «الأمراض السرطانية تعود إلى أسباب متعددة»، من بينها تعرض المحافظة إلى ضربات حربية استخدمت فيها «أسلحة محرمة دولياً تحمل إشعاعات خطيرة». وأضاف أن مركز الوقاية من الإشعاع باشر منذ أكثر من خمس سنوات بإجراء كشوفات ومسوحات في مختلف مناطق المحافظة، قبل أن يُعلن في عام 2024 خلو ذي قار من أي نشاط إشعاعي.
ولفت إلى إنشاء مقبر لطمر المواد المشعة والمخلفات الحربية الملوثة بالإشعاع في منطقة صليبيات الصحراوية، وفق مواصفات بيئية عالمية.
وتطرق الخفاجي إلى أسباب أخرى، أبرزها تلوث مصادر المياه نتيجة رمي المياه الثقيلة في مجاري الأنهار، مشيراً إلى صعوبة السيطرة على هذا الملف «لكونه يتعلق بمحافظات أخرى تقوم برمي ملوثاتها في الأنهار الواصلة إلى ذي قار». وأكد في المقابل اعتماد معالجات محلية لمياه المجاري عبر محطات معالجة خاصة تسهم في الحد من تلوث المياه.
كما أشار إلى تلوث الهواء الناتج عن حرق النفايات في مواقع الطمر الصحي، إضافة إلى النشاط النفطي، موضحاً وجود معالجات وخطط مستقبلية للحد من هذه الملوثات.
وكانت دائرة صحة ذي قار قد أعلنت في 15 كانون الثاني 2019 تسجيل أربعة آلاف حالة إصابة بمرض السرطان في مختلف مناطق المحافظة، من بينها 749 إصابة جديدة خلال عام 2018، فيما دعا مختصون حينها إلى استحداث ثلاثة مراكز تخصصية لمعالجة المرض لدى البالغين والأطفال.
كما كشف مصدر في دائرة صحة ذي قار، في 24 نيسان 2019، عن تسجيل أكثر من ثلاثة آلاف حالة وفاة بسبب أمراض السرطان خلال خمسة أعوام، مبيناً أن عدد الوفيات المسجلة بين عامي 2013 و2017 بلغ 3172 حالة.
وفي مطلع عام 2019، حذر أطباء وباحثون من «ارتفاع ملحوظ» في معدلات الإصابة بالأمراض السرطانية في المنطقة الجنوبية من العراق، مؤكدين أن السرطان يُعد واحداً من أخطر ثلاثة أمراض تؤدي إلى الوفاة في تلك المنطقة.
وكانت لجنة الصحة والبيئة في ذي قار قد أعلنت في كانون الأول 2018 تزايد الإصابات بسرطان الثدي بين نساء المحافظة، وعزت ذلك إلى الحروب وما خلفته من تلوث بيئي وإشعاعي، إضافة إلى تلوث المياه ونوعية الأغذية والحالة النفسية للمريض وظروف معيشته.
كما أظهرت دراسات ميدانية أعدها باحثون في جامعة ذي قار قبل سنوات زيادة «مقلقة» في معدلات الإصابة بالأمراض السرطانية، إذ أكد عميد كلية الطب آنذاك، الدكتور مؤيد ناجي الموسوي، أن الدراسات بيّنت وجود ارتفاع مطرد في نسب الإصابات المسجلة بمختلف الفئات العمرية مقارنة بباقي المحافظات.
ويواجه الواقع البيئي في محافظة ذي قار، التي يقع مركزها مدينة الناصرية على بعد 350 كيلومتراً جنوب بغداد، تحديات متعددة، أبرزها وجود مخلفات حربية ملوثة بالإشعاع في عدد من المناطق التي شهدت عمليات عسكرية خلال العقود الثلاثة الماضية.
وشهدت المحافظة عمليات قصف ومعارك خلال الحرب العراقية – الإيرانية (1980–1988)، وحرب الخليج الثانية عام 1991، إضافة إلى غزو العراق عام 2003، حيث استخدمت قوات التحالف الدولي أنواعاً متعددة من الأسلحة، من بينها القنابل العنقودية والصواريخ التي يدخل اليورانيوم المستنفد في تركيبها، والتي تُعد مخلفاتها من أبرز مصادر التلوث الإشعاعي.
وكانت محافظة ذي قار قد أنشأت عام 2007 محجراً خاصاً للمخلفات الحربية الملوثة بالإشعاع في منطقة صليبيات الصحراوية، إذ تولت فرق من مركز الوقاية من الإشعاع، وبالتعاون مع وزارتي البيئة والعلوم والتكنولوجيا، نقل جزء من تلك المخلفات إليه.










