TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > تغييب التراكم المؤسسي وتحويل التوأمة العلمية الى سلعة استهلاكية

تغييب التراكم المؤسسي وتحويل التوأمة العلمية الى سلعة استهلاكية

نشر في: 4 فبراير, 2026: 12:03 ص

محمد الربيعي

* تثير محاولات "التوأمة الجديدة" بين بعض الجامعات العراقية الاهلية والجامعات البريطانية اسئلة جوهرية حول فلسفة ادارة التعليم العالي اليوم. نحن امام مشهد يكرس سياسة القطيعة مع الماضي، حيث تجمد المشاريع الناجحة عمدا ليعاد طرحها لاحقا كانجازات مستحدثة، في تجاهل تام لارث جامعتي بغداد وبابل الحكومية اللتين وضعتا اللبنات الاولى لهذه البرامج دون تحميل الطلبة اعباء مالية اضافية. هكذا ينتقل المشهد إلى الجامعات الأهلية، لكن هذه المرة وقد فقد جوهره المعرفي، ليتحول من مشروع رائد الى شراكة تجارية تفاقم أزمة التعليم العالي
. لقد عرف العراق في الماضي تجارب رصينة في مجال التوامة العلمية مع جامعات عالمية، كان ابرزها برنامج التعاون بين جامعة بغداد وجامعة سوينبرن للتكنولوجيا في استراليا، الذي مثل نموذجا متقدما للتبادل الاكاديمي، حيث اتاح للطلبة فرصة اكمال جزء من دراستهم في جامعة سوينبرن مع الاستمرار في ارتباطهم بجامعة بغداد، وهو ما منحهم شهادات ذات بعد عالمي دون ان يفقدوا صلتهم بالجامعة الوطنية. كما شهدت جامعة بابل برامج توأمة مع جامعات بريطانية مثل ليفربول ونورثمبتون وجون موريس، اتاحت للطلبة ايضا اكمال جزء من دراستهم في تلك الجامعات البريطانية مع الحفاظ على انتمائهم لجامعة بابل، الامر الذي عزز جودة المناهج واكسبهم خبرات دولية حقيقية دون تحميلهم اي اعباء مالية. والى جانب ذلك، شاركت جامعة بغداد في مشاريع اوروبية مثل مشروع WALADU لتطوير برامج البكالوريوس في علم الاثار، ومشروع EDUU لتعزيز التعليم والتراث الثقافي، فضلا عن تعاونها مع جامعة ريغنسبورغ الالمانية في التعليم الرقمي للعلوم التاريخية، ومع جامعة ارتوا الفرنسية في تبادل الطلبة والاساتذة وتنظيم المؤتمرات المشتركة. هذه التجارب، على اختلاف اشكالها، كانت تؤكد ان التوأمة المنتجة معرفيا تقوم على بناء القدرات وتراكم الخبرة وتطوير المناهج، وانها حين تبنى على اسس مؤسسية راسخة تفتح امام الطالب افاقا جديدة وتمنح الجامعة مكانة علمية حقيقية، بخلاف ما نشهده اليوم من توأمات شكلية تختزل التعاون الدولي في بعد تسويقي او دعائي، وتتركز في الجامعات الأهلية حيث تكتنفها حمولات مالية، فتتحول من أداة للنهوض العلمي إلى عبء يكرّس التراجع وفقدان الثقة.
ان التوأمة العلمية الرصينة لا تختزل في تبادل الشعارات او شراء العلامات التجارية، بل تقوم على التبادل البحثي والمعرفي الحقيقي، وعلى بناء القدرات المؤسسية التي تضمن تطوير المناهج وتدريب الكوادر، وعلى الاستدامة التي تجعل هذه البرامج جزءا من هوية الجامعة الوطنية، وعلى وضع الطالب في قلب العملية التعليمية عبر توفير فرص دراسية وبحثية ومنح وتسهيلات تفتح امامه افاقا جديدة. اما التوامة الشكلية او التسويقية فهي التي تكتفي بالاستعراض وتغفل المضمون، حيث تحول الاتفاقيات الى صفقات ورقية تحمل تكاليفها على الطلبة، وتقدم كوسيلة لجذبهم عبر الدعاية والوجاهة الاجتماعية، فيما تغيب عنها اي تراكم مؤسسي او انتاج معرفي حقيقي. انها توأمة تستخدم كاداة لانقاذ ارباح الجامعات الاهلية المتراجعة، لا كجسر لنقل المعرفة او تطوير البحث العلمي. ان خطورة هذا الاختزال تكمن في تحويل المؤسسة التعليمية من محراب للعلم الى ماكينة للربحية والاستقواء بالمال، وفي افراغ مفهوم التعاون الدولي من محتواه الحقيقي، بحيث يصبح مجرد وسيلة للتباهي لا اكثر.
وهنا يبرز التحدي الاكبر: كيف يمكن اعادة الاعتبار الى التوأمة العلمية بوصفها مشروعا وطنيا ينهض بالجامعة والطالب معا، لا مجرد صفقة تجارية تسوق على حساب المعرفة؟ ما نحتاجه اليوم هو استعادة روح المبادرة الوطنية التي تدعم الطالب وتبني المؤسسة، لا تلك التي تستخدمه كاداة لتمويل صفقات التوأمة التجارية. فالتوأمة الرصينة يجب ان تكون جسرا لنقل المعرفة وتطوير البحث، وان تعيد الاعتبار الى التراكم المؤسسي الذي يشكل اساسا لاي نهضة تعليمية حقيقية.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 1

  1. محمد الربيعي

    منذ 3 أسابيع

    مع الأسف، كلامك متناقض وغير دقيق. تتحدث عن رصانة الجامعات الأهلية، وحين تدعم الوزارة هذه الرصانة عبر شراكات مع جامعات عالمية تنتقدها. هذا خطاب مُشخْصَن لا علاقة له بالعلم ولا بدعم التعليم العالي، بل يعكس انتهازية واضحة ويفتقر للموضوعية والمنهجية الأكاديمي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: الجواهري ونوري سعيد و"الزعاطيط"

فرانسو حريري.. سيرة مناضل حمل التعددية في قلبه ومضى

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: ضد واشنطن .. مع واشنطن

 علي حسين قبل اشهر من هذا التاريخ خرج علينا ائتلاف دولة القانون ليعلن أن تحركات السفارة الأمريكية في العراق مخالفة للعرف الدبلوماسي، وقبلها اخبرنا السيد رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي في حوار...
علي حسين

قناطر: البصرة: مالك النخل والناطور

طالب عبد العزيز ماتزال خريطة خليج البصرة أو خليج عُمان أو الخليج العربي أو خليج فارس ماثلة في أعيننا، نحن طلاب المرحلة الابتدائية، منذ أكثر من ستة عقود، وهي تشير الى إمارات الخليج باسم...
طالب عبد العزيز

المشكلات البيئية والدورة النيابية السادسة في العراق

د.كاظم المقدادي كشفت الدورة النيابية السادسة ( الحالية) خلال تشكيل لجانها النيابية الدائمة، بأنها لا تختلف عن سابقاتها من حيث الموقف السلبي من المشكلات البيئية وتداعياتها الخطيرة على المجتمع العراقي. وهو ما يستوجب تذكير...
د. كاظم المقدادي

صراع وجودي بين دعاة الوطنية العراقية واللاوطنية

د. حيدر نزار السيد سلمان تدور في هذه المدة التاريخية واحدةٌ من أشرس المعارك الثقافية في تاريخ العراق الحديث والمعاصر بين نزعتين متعارضتين؛ يمثل الأولى العراقيون الذين يرون بلدَهم سيدًا مستقلًا كامل السيادة يقوم...
حيدر نزار السيد سلمان
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram