بغداد / المدى
عاد ملف تأخر صرف الرواتب في العراق إلى الواجهة مجدداً، مع تسجيل تأجيل جديد في رواتب الرعاية الاجتماعية لشهر شباط/فبراير، واستمرار شكاوى المتقاعدين من تعثر الصرف، في ظل نقص السيولة المالية وضغوط اقتصادية متراكمة، ما يضع الحكومة والمؤسسات المالية أمام اختبار صعب يتعلق بأكثر الملفات حساسية وتأثيراً على الاستقرار الاجتماعي.
وكشف مصدر مطلع، أمس الثلاثاء، عن تأجيل صرف رواتب الرعاية الاجتماعية لشهر شباط/فبراير الجاري، نتيجة نقص السيولة المالية لدى الجهات المعنية. وأوضح المصدر، في حديث لوكالة شفق نيوز، أن «تأخر توفير التخصيصات المالية اللازمة حال دون إطلاق الرواتب في موعدها المحدد»، مؤكداً أن الجهات المختصة تعمل حالياً على معالجة الأزمة وتأمين التمويل المطلوب، على أن يتم إبلاغ المستفيدين بموعد الصرف الجديد فور استكمال الإجراءات المالية.
ويأتي هذا التطور في وقت تعاني فيه المؤسسات المالية من ضغوط متزايدة، انعكست بشكل مباشر على شريحة واسعة من المواطنين الذين تعتمد معيشتهم اليومية بشكل شبه كلي على رواتب الرعاية الاجتماعية، وسط ارتفاع تكاليف الحياة وتراجع القدرة الشرائية.
بالتوازي مع ذلك، صعّد متقاعدون عراقيون من لهجتهم تجاه استمرار تأخر صرف رواتبهم، مطالبين مجلس النواب باتخاذ خطوات رقابية حازمة، تبدأ باستضافة المسؤولين عن هذا الملف، ولا سيما إدارات المصارف الحكومية المعنية بعملية الصرف. وأعرب المتقاعدون، في تصريحات صحفية لـ«المدى»، عن استيائهم من تكرار المشكلة، محملين قلة السيولة وضعف التطور المصرفي وغياب التقنيات الحديثة مسؤولية تفاقم الأزمة.
وأشاروا إلى أن اعتماد الأنظمة الإلكترونية وتحديث البنية المصرفية من شأنه الإسهام في تسريع عمليات الصرف، وزيادة الإيرادات، وتحسين مستوى الخدمات، مؤكدين أن أي تأخير في الرواتب ينعكس فوراً على أوضاعهم المعيشية، باعتبارها مصدر الدخل الأساسي لهم. ولفتوا إلى أن دعوة وزارة المالية للمصارف الحكومية بالدوام يومي الجمعة والسبت لم تحقق نتائج ملموسة حتى الآن، في ظل استمرار نقص السيولة والرصيد المالي.
في السياق ذاته، أعادت أزمة السيولة الجدل حول أسبابها وحدودها، بين من يصفها بأنها طارئة، ومن يربطها بخلل هيكلي في بنية الاقتصاد العراقي. ويرى النائب جمال كوجر، عضو اللجنة المالية النيابية السابقة، أن أزمة السيولة الحالية «طارئة وغير مرشحة للتكرار المستمر»، مشدداً على أن الحكومة ملزمة بدفع الرواتب في مواعيدها، نظراً لارتباطها بالتزامات معيشية ثابتة لملايين المواطنين.
وتكتسب الرواتب في العراق حساسية استثنائية، إذ تمس القوت اليومي لأكثر من أربعة ملايين موظف، إضافة إلى المتقاعدين والمستفيدين من شبكة الحماية الاجتماعية، ليصل عدد المعتمدين على الخزينة العامة إلى نحو تسعة ملايين مواطن. ويعزو كوجر أسباب الأزمة إلى تزامن عدة عوامل، من بينها نقص السيولة، وتطبيق قوانين وإجراءات جديدة، فضلاً عن تنفيذ قرارات حكومية تتعلق بإيقاف بعض المخصصات.
وفي تطور لاحق، أعلنت هيئة التقاعد الوطنية استكمال إجراءات رواتب المتقاعدين لشهر شباط وإطلاقها تدريجياً، موضحة أن البيانات أُرسلت إلى المصارف لاستكمال عمليات الصرف. إلا أن خبراء اقتصاديين حذروا من أن هذه المعالجات تبقى جزئية ما لم تُعالج الأسباب البنيوية للأزمة.
ويعزو الخبير الاقتصادي مصطفى فرج أزمة السيولة إلى الاعتماد شبه الكامل على الاقتصاد الريعي، ولا سيما النفط الذي يشكل نحو 90 بالمئة من موارد الدولة، إلى جانب تذبذب أسعار النفط وضخامة الموازنة التشغيلية. وأكد أن تأخر الرواتب يؤثر مباشرة في الدورة الاقتصادية، إذ يعتمد نحو 60 بالمئة من السوق المحلية على الدخل الثابت للموظفين والمتقاعدين.
ومع استمرار تذبذب أسعار النفط وتأخر إقرار موازنة عام 2026، يحذر مختصون من أن الأشهر المقبلة قد تشهد ضغوطاً إضافية على ملف الرواتب، ما لم تُتخذ إجراءات جادة لتقليل النفقات، وتنويع مصادر الدخل، ومعالجة الخلل المزمن في هيكل الاقتصاد العراقي.
نقص السيولة يجمّد مخصصات الرعاية مع تعثر رواتب المتقاعدين
تطمينات حكومية متباينة وتحذيرات اقتصادية

نشر في: 4 فبراير, 2026: 12:30 ص









