بغداد / المدى
يتقاطع الضغط المالي الداخلي الذي يرزح تحته العراق مع تحذيرات دولية من مخاطر سياسية واقتصادية خارجية، في وقت تتسع فيه دائرة القلق من تداعيات قد تطال معيشة المواطنين، واستقرار الخدمات، وحتى قدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها الأساسية.
وبين تحذيرات نيابية وخبراء من أزمة مالية «قاتلة»، وتلويح أميركي بعقوبات محتملة قد تقيد وصول العراق إلى الدولار، تبدو المرحلة المقبلة بالغة الحساسية، وتتطلب قرارات حاسمة لتفادي سيناريوهات أكثر تعقيداً.
وحذّر عضو مجلس النواب جواد الساعدي من أن العراق يمر حالياً بأزمة مالية واقتصادية «قاتلة»، بدأت آثارها تظهر بشكل ملموس على معيشة المواطنين ومستوى الخدمات الأساسية المقدمة لهم. وأكد الساعدي، في تصريح تابعته «المدى»، أن الواقع الاقتصادي الراهن يستدعي حلولاً جذرية وإجراءات إصلاحية حقيقية تتجاوز الوعود، محذّراً من أن استمرار السياسة المالية الحالية قد يقود إلى نتائج وخيمة تهدد الاستقرارين السياسي والاجتماعي.
وقال الساعدي إن «الحكومة والبرلمان أمام مسؤولية تاريخية للتحرك السريع ووضع خارطة طريق واضحة لمعالجة الاختلالات الاقتصادية»، مشيراً إلى أن سياسة التسويف في تنفيذ الإصلاحات ستضاعف من حجم المعاناة الشعبية وتعمّق الفجوة المالية. ولفت إلى أن المواطنين يعانون من تذبذب أسعار المواد الأساسية، إلى جانب تلكؤ تنفيذ المشاريع الخدمية الاستراتيجية، الأمر الذي يزيد الضغط على الأسر العراقية ويضعف الثقة بقدرة الدولة على احتواء الأزمة.
من جانبه، رأى الخبير الاقتصادي أحمد حميد أن الأزمة الحالية «ليست مفاجئة»، بل تمثل نتيجة تراكمات لسنوات من السياسات المالية غير المستدامة، وانخفاض الإيرادات النفطية، وارتفاع الإنفاق العام غير المنضبط، فضلاً عن تباطؤ الإصلاحات الهيكلية في قطاعات الطاقة والضرائب والدعم الحكومي. وأضاف، في حديثه لـ«المدى»، أن أي تأخير إضافي في تطبيق الإصلاحات سيؤدي إلى تضاعف العجز المالي، ويرفع احتمالات عجز الدولة عن تمويل المشاريع الخدمية ودفع الرواتب، بما ينعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين، ولا سيما الفئات الأكثر هشاشة.
وتشير البيانات الاقتصادية الرسمية إلى ارتفاع الدين العام الداخلي إلى مستويات قياسية خلال العامين الماضيين، بالتوازي مع تفاقم عجز الموازنة نتيجة انخفاض أسعار النفط وصعوبات تحصيل الإيرادات غير النفطية. وأسهمت هذه التطورات في زيادة الضغوط على سعر صرف الدينار أمام العملات الأجنبية، وارتفاع الأسعار في الأسواق المحلية، ما أثر سلباً في القدرة الشرائية للأسر العراقية.
وفي موازاة الضغوط الداخلية، حذّر تقرير دولي من مخاطر اقتصادية إضافية قد تواجه العراق في حال مضيّ القوى السياسية بترشيح رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي لرئاسة الحكومة المقبلة. وكشف تقرير لموقع «مجموعة الأزمات الدولية» أن العقوبات الاقتصادية الأميركية، بما في ذلك تقييد وصول العراق إلى الدولار، باتت خياراً مطروحاً لدى واشنطن.
وبحسب التقرير، فإن إدارة الولايات المتحدة تدرس خيارات ضغط قاسية على العراق، تشمل فرض عقوبات وتقييد الوصول إلى الدولار، إذا مضى الإطار التنسيقي قدماً في ترشيح المالكي لرئاسة الوزراء. واعتبر أن الموقف الأميركي يعكس تحولاً لافتاً في طريقة تعاطي واشنطن مع أزمة تشكيل الحكومة العراقية، لافتاً إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أثار هذا الأسبوع صدمة في المشهد السياسي العراقي عندما هاجم ترشيح المالكي.
وأشار التقرير إلى أن ترامب، وفي منشور على منصة «تروث سوشيال»، وصف فترة حكم المالكي السابقة بين عامي 2006 و2014 بأنها قادت العراق إلى الفوضى، محذراً من أن الولايات المتحدة لن تعود لتقديم المساعدة للعراق في حال توليه المنصب مجدداً. وبيّن أن العراق «لم يكن حتى الآن في صدارة أولويات إدارة ترامب»، إلا أن اعتبارات جيوسياسية أوسع، وفي مقدمتها السعي لكبح النفوذ الإيراني، دفعت واشنطن إلى التدخل المباشر في مسار تشكيل الحكومة العراقية.
داخلياً، أشار التقرير إلى أن ترشيح المالكي يثير جدلاً واسعاً، نظراً لإرثه السياسي المرتبط بتصاعد الفساد والاستقطاب الطائفي، وهي عوامل أسهمت، بحسب التقرير، في تعميق الانقسامات التي بلغت ذروتها مع تمدد تنظيم داعش. كما لفت إلى وجود عرف سياسي غير مكتوب يقضي بعدم تولي رئيس الوزراء أكثر من ولاية واحدة، وهو ما حال دون تجديد دعم الإطار التنسيقي لرئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، رغم فوز تحالفه بأكبر عدد من المقاعد في انتخابات تشرين الثاني الماضي.
وفي ظل هذه التطورات، حذّر التقرير من أن تجاهل التحذيرات الأميركية قد تكون كلفته باهظة، مشيراً إلى امتلاك الولايات المتحدة أدوات ضغط متعددة، من بينها فرض عقوبات بحجة مساعدة إيران على الالتفاف على القيود الأميركية، ومعاقبة أفراد في الحكومة، وتقييد وصول العراق إلى الدولار عبر التحكم بحسابات عائدات النفط المودعة لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، إضافة إلى تقليص المساعدات العسكرية.
ويجمع مراقبون وخبراء على أن تلاقي الأزمة المالية الداخلية مع ضغوط سياسية واقتصادية خارجية يضع العراق أمام اختبار بالغ الصعوبة، يتطلب وضوحاً في الأولويات الاقتصادية، وتسريعاً للإصلاحات، وإدارة حذرة للعلاقات الخارجية، لتجنب تداعيات قد تمتد آثارها إلى الاستقرار السياسي والاجتماعي.










